الأخبار

بشار جرار : الصلح أصلح وأملح!

بشار جرار : الصلح أصلح وأملح!
أخبارنا :  

يا لبؤس أشقائنا في الدين وجيراننا في الإقليم من الحروب التي عانت منها الأمة الأفغانية. نعم، هي في عرف الدول أمة، من حيث كونها -في حدودها الراهنة وتاريخيا- خليطا من «إثنيّات» لم تصن رباطها الإنساني والوطني المقدس، سوى الملكية.

ويا لشقاء من جاور الشقيّ. في الجغرافيا لا نختار جيراننا. التاريخ ليس بأحسن حال، فما زالت دوائره تلف وتدور دون أن يتعظ من دروسه، الأشقاء والجيران، الأصدقاء والحلفاء، الخصوم والأعداء.

فيما كانت الأكف الصائمة مرفوعة تضرعا إلى الله لحقن الدماء وتغليب لغة العقل والضمير، حتى لا يقدح مغامر أو مقامر شرارة حرب أصابع أطرافها على الزناد، والطلقة في بيت النار «معمّرة» ومسددة في عين الثور الحمراء، وفيما كنا في غمرة الأفراح بأنه «إن عشّرَ بشّر»، داهمتنا «العواجل» باندلاع الاشتباكات بين الجارين المسلمين، إخوتنا الباكستانيين والأفغان وأكاد أجزم أن القاتل والمقتول كلاهما صائمين.

الأردن المفدى بقيادته الهاشمية الحكيمة منذ ما قبل الرسالة والثورة، يجبِرُ قبل الكسر، ويُجيرُ الكل، ويستجير به الجميع. لذلك كان خطاب المملكة دائما إنسانيا حضاريا عقلانيا، فلا يريد الأردنيون بقلوبهم العامرة بالإيمان والزاخرة بالشهامة، لا يريدون سوى الخير والصلاح والفلاح للناس كافة.

الخير، خير ضامن له الحق. والصلاح، أصلح دائما بالعمل الدائب على تفادي النزاعات كلها، دفعا لشرور الحرب وأهوالها. والفلاح لا يتحقق بغياب الأمن الذي لن تحققه القوة، وإن تمكنت بجبروتها من فرضه إلى حين. الأمن والأمان لا يتحقق -هكذا علمنا التاريخ- إلا بقوة الحق، وليس الحق باستخدام القوة -مشروعا أو غير مشروع- وإن كانت تلك القوة مفرطة أم غاشمة.

في الاستعارات التعبيرية الراسخة أكاديميا في أذهان دارسي «علوم السلام» أو «تحليل وتسوية وتفادي النزاعات»، أعرض واحدة لا تنسى، أعرضها على شكل مقولة أثبت صاحبها «أن الحدود الجيدة، كفيلة بحسن الجوار، لا العكس».. بمعنى إن احترم الجارين وحتى وإن كانا أخوة من أب ولأم واحدة، احترامهما حدود بعضهما بعضا، كما يراها كل منهما، حينها فقط، تكون الحدود جيدة، وبالتالي العلاقة جيدة، عامرة بنّاءة ومثمرة!

لدينا مشكلة عالميا، في ثقافة رسم الحدود أو وضعها، وفي ذلك كُرّس المداد على صفحات مؤلفات ممتعة، جديرة بالدراسة، أو كتلك التي كنا نعرفها أيام الدراسة الابتدائية، في المناهج الأردنية التعليمية الرائدة عربيا، تحت بند: اقرأ واستمتع..

الله نسأل أن تعم نِعم الأمن والأمان. يعلم علام الغيب وما في القلوب، أن دعاءنا هذا يشمل من وما كرمه الله بالخلق والوجود، لا البشر وحدهم، بل الكائنات الحية جميعها والشجر والحجر.

وحتى يقتدي بصناع السلام الحقيقيين، القريب قبل البعيد، وقبل أن يكون الترسيم لحدود، لا بد أن تكون الدول ذات الحدود ملتزمة بمفاهيم الدول أولا انطلاقا من فهم نشوئها وتعريفها ودورها في الجوار والمعمورة، كحجر بناء لا معول هدم. بالتالي، وخاصة في دول متعددة عرقيا ودينيا ومذهبيا، لا سبيل للخلاص -السلام والرخاء- سوى المدنية العلمانية، دولة المؤسسات وسلطة القانون. دولة، كما تريد من جميع رعاياها في الوطن والمهجر حمايتها عند النداء وفي السراء والضراء، ينبغي عليها أولا أن تحفظ حدود الناس وحقوقهم، وتظهر لهم المحبة والرعاية والحوكمة الراشدة، بتولي أمور دنياهم بأنفسهم، فيما تعرف بالإدارات اللامركزية، أولسنا من خرجنا إلى العالم -في عصر «الفتوحات»- بنداء «كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا»..

أما عندما تكون الدولة قمعية ظالمة، مستبدة فاسدة، تقوم «شرعيتها» على قوة الخنجر لا السيف فقط، و»الغدّارات» بمعنى البنادق الآلية أو الرشاشة، التي «تغدر» بالجميع، فإنها قد حددت بنفسها صورتها أمام العالم، وليس الجيران فقط، بأنها عدائية عدوانية. فمن استسهل الظلم على شعبه وارتضى له الهوان، لا يُؤمَن جانبه ولا يؤتمن على شيء.

أذكر في منهاج «التوجيهي على أيامنا»، كيف علمنا أستاذنا الدكتور الراحل حسني البواب رحمة الله عليه، علّمنا وهو المسيحي -وإبن خوري في إحدى كنائسنا العتيقة شمال الأردن الحبيب- علّمنا ذلك الأستاذ الجليل الذي أتقن تجويد القرآن الكريم في ريعان شبابه، علّمنا تفسيرا جميلا لكلمات خالدة من الذكر الحكيم: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، فأصلحوا بينهما»، إلى آخر الآية الكريمة.

يعلم الأشقاء على جانبي تلك الحدود البعيدة-القريبة، يعلمون أن الصلح أصلح، وأن الحق أولى أن يُتّبع.

اليوم وقد احتفلنا قبل أيام بالعيد الخامس والثلاثين لتحرير الكويت الشقيقة، نتساءل، متى تتعلم بعض القوى المكابرة أو المستكبرة، أن التاريخ يلقّن الجميع دروسا، قد يأذن الله بتكرارها، حتى نزداد علما وإيمانا..

يا رب السلام أعطنا الأمن والأمن والسلام. وحده سبحانه هو واهب السلام، كونه هبة إلهية ومكرمة ربانية، تبدأ بنا، من ها هنا، من أعماق ضمائرنا وقلوبنا وعقولنا. لا من هناك، مما يتوهم البعض القدرة على انتزاعه من غيره، كَرها أم طمعا!

من الآخر، الصلح أصلح وأملح، فقط لمن صان «العيش والملح»، أي صان حقوق الجيرة وأوفى العهود والعقود، وحفظ الحرمات والأمانات والمقامات. السلم كما الحرب. علاقة يقيمها طرفان أو أكثر. لكن ثمة أطراف، لا أمل في تعديل «سلوكها الخبيث»، لأنها قائمة على باطل. وهي بذلك، لا ريب إلى زوال..

مواضيع قد تهمك