الأخبار

أ. د. ليث كمال نصراوين : قانون الضمان الاجتماعي في عهدة النواب

أ. د. ليث كمال نصراوين : قانون الضمان الاجتماعي في عهدة النواب
أخبارنا :  

أعلن رئيس الوزراء قبل أيام أن الحكومة قد أدخلت مجموعة من التعديلات الجوهرية على مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي لعام 2025، ولا سيما تلك المتعلقة بالتطبيق التدريجي لقواعد التقاعد المبكر، وذلك في ضوء اللقاءات التي عقدها مع ممثلي عدد من الكتل النيابية في مجلس النواب. وقد أثارت هذه الخطوة تساؤلات دستورية مشروعة حول طبيعة هذه التفاهمات السياسية، وما إذا كان من شأنها أن تقيد مجلس النواب أو تنتقص من ولايته التشريعية الكاملة عند النظر في مشروع القانون وإقراره.

 

وللإجابة عن هذا التساؤل، يجب التمييز بين ما يجري قبل إحالة مشروع القانون إلى مجلس النواب وما يحدث بعد ذلك. فالمشاورات التي قد تعقدها الحكومة مع الكتل النيابية قبل إقرار مشروع القانون وإرساله إلى المجلس تبقى ضمن إطار الحوار السياسي ومحاولة تقريب وجهات النظر. أما عند إحالة المشروع إلى مجلس النواب، فإنه يدخل في المسار الدستوري المعتاد، ويغدو من حق المجلس وحده مناقشته وتعديله أو رفضه، وذلك وفق الصلاحيات المقررة له بموجب الدستور.

من هنا، يمكن النظر إلى مبادرة رئيس الوزراء بالاستماع إلى ملاحظات الكتل النيابية قبل إرسال مشروع القانون بصيغته النهائية باعتبارها خطوة سياسية إيجابية في إدارة ملف تشريعي حساس. فالتعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، ولا سيما ما يتعلق بالتقاعد المبكر، تمس شريحة واسعة من المواطنين، ولها أبعاد مالية واجتماعية مهمة. لذلك سعت الحكومة إلى شرح الأسباب الموجبة للتعديل، وتوضيح مبرراته، ومحاولة إقناع النواب بأهميته من حيث المبدأ. وهذه الخطوة تكتسب أهميتها في السعي إلى تلاقي الإرادات السياسية وبناء قدر من التفاهم حول فلسفة التعديل وأهدافه العامة، أكثر من الخوض في تفصيلاته وجزئياته الدقيقة.

كما أن هذا النهج التشاوري ينسجم مع طبيعة النظام النيابي القائم على التفاعل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. فالتوافق المبدئي المسبق على الغرض من التشريع لا يشكل انتقاصا من الاختصاص الدستوري لمجلس النواب، بل قد يسهم في تهيئة مناخ سياسي أكثر هدوءا، ويجنب المؤسسة التشريعية حالة من الاستقطاب الحاد التي قد ترافق عملية مناقشة وإقرار التعديلات المقترحة على قانون الضمان الاجتماعي، ما دام هذا التعاون السياسي بقي ضمن حدوده الطبيعية ولم يتجاوز الصلاحيات التشريعية للمجلس.

فبمجرد أن تحيل الحكومة مشروع القانون المعدل إلى مجلس النواب، يبدأ مسار تشريعي مستقل تحكمه نصوص الدستور وأحكام النظام الداخلي. عندها يمارس المجلس صلاحياته كاملة من خلال إحالة المشروع إلى لجانه المختصة، التي تتولى دراسته دراسة شاملة، والاستماع إلى الخبراء والمختصين، ومناقشة مواده بصورة تفصيلية، واقتراح ما تراه مناسبا من تعديلات، قبل رفع توصياتها إلى المجلس لاتخاذ القرار النهائي بالموافقة على مشروع القانون أو عدمها.

وعليه، فإن أي تفاهم سياسي سابق بين الحكومة وعدد من النواب لا يقيد عمل اللجنة المعنية في المجلس، ولا يؤثر في حق النواب في تقديم مقترحاتهم لتجويد نصوصه وأحكامه. فالنائب، حتى وإن أبدى تأييدا مبدئيا لفكرة التعديل خلال اللقاءات التشاورية مع الحكومة، يبقى حرا في إعادة تقييم موقفه عند مناقشة النصوص التفصيلية. فالموافقة على مبدأ إصلاح نظام التقاعد المبكر شيء، وإقرار الصياغات التشريعية المحددة وآليات التطبيق والتدرج الزمني شيء آخر. والخلط بين الأمرين يمس جوهر العملية التشريعية، التي تقوم على المناقشة النيابية الحرة والتصويت المستقل.

كما أن مجلس النواب، بوصفه هيئة منتخبة تمثل الأمة بأكملها، لا تُختزل إرادته في مواقف بعض الكتل التي شاركت في اللقاءات الحكومية مع رئيس الوزراء. فهناك كتل وأحزاب سياسية ونواب مستقلون لم يكونوا طرفًا في تلك المشاورات، ولا يمكن افتراض التزامهم بما دار فيها من تفاهمات أولية. فالإرادة البرلمانية لا تتشكل إلا تحت القبة من خلال النقاش العلني والتصويت الحر، وهو ما يمنح التشريع شرعيته الدستورية. فمصدر الإلزام في العملية التشريعية يبقى محصورا في القرار النهائي الذي يصدر عن مجلس النواب، أما اللقاءات التمهيدية، مهما بلغت أهميتها السياسية، فتبقى في نطاق الإقناع والحوار لا في نطاق الحسم والإلزام.

وخلاصة القول، إن مبادرة الحكومة إلى التشاور مع بعض الكتل النيابية حول مشروع القانون المعدل لقانون الضمان الاجتماعي تمثل ممارسة سياسية محمودة تهدف إلى تقريب وجهات النظر وشرح الأسباب الموجبة للتعديل وإقناع النواب بأهميته من حيث المبدأ. غير أن القرار النهائي يبقى بيد مجلس النواب، الذي يملك وحده سلطة مناقشة المشروع وتعديله أو رفضه. فالتوافق السياسي قد يسهل إقرار القانون، لكنه لا يغني عن المسار الدستوري، ولا يحل محل الإرادة التشريعية التي لا تتشكل إلا تحت قبة البرلمان.

* أستاذ القانون الدستوري كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

laith@lawyer.com

مواضيع قد تهمك