الأخبار

بشار جرار : «بعيدًا عن السياسة»!

بشار جرار :  «بعيدًا عن السياسة»!
أخبارنا :  

للمقولة أعلاه روادها. أخذوها من زاوية في صحيفة وجعلوها مدخل حديث أو مخرجا من نقاش علق في شباك السفسطة أو الجدل البيزنطي. «بعيدا عن السياسة» عادة ما يتبعها ما هو سياسي وفي الصميم، وأحيانا من العيار الثقيل الذي قد ينتهي بحرب باردة -قطيعة أو جفاء- بين المتحاورين المتخاصمين هذا إن سلموا من التراشق بالسباب والاتهامات، والاشتباك بالأيدي بعد تعذر الوصول إلى كاسات الماء أو كوب القناة في برامج قنوات الإثارة المشاكسة التي تطرب لتشطير شاشاتها بين الضيوف والصور المباشرة أو المعادة -المختارة بعناية- زعما بتعددية لا تجلب سوى البلبلة والجلبة، وأحيانا البلطجة بأنواعها.
السياسة هي سنة الحياة لولاها لما كان البقاء ومن ثم النماء. هي كما الإدارة، تعنى بالتعامل مع الموجودات والأدوات، بما يحقق الاحتياجات والرغبات، قبل تأطيرها بأسماء مزركشة إعلاميا لغايات بحثية أكاديمية، كالأهداف قصيرة، متوسطة وبعيدة المدى!
كل شؤون الحياة، من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع، فالدولة فالإقليم فالعالم بأسره، تضعنا أمام مسؤولية الفعل أو ردة الفعل، فللنظر ما فرضته علينا ظروف هي خارج إرادتنا ونطاق قدراتنا، وبين ما هو في متناول اليد.
أبتعد قليل عن وطأة الأحداث الساخنة محليا وعالميا وكذلك عن الملفات المُرحَّلة أو المزمنة، فأتحدث عن الطقس! عن النشرات الجوية وحالة الطرق وحركة السفر.
«بعيدا عن السياسة»، تعرض القنوات الأمريكية منذ ثلاثة أيام «عواجل» وأخبار العاصفة الثلجية «فيرن» الأكثر سوءا منذ عشر سنوات والتي ضربت أكثر من أربعين ولاية أعلن أربعة وعشرون من حكامها، حالة الطوارئ. تعرض تلك القنوات بإيجاز وتوسع حسبما «يعنيه» وليس بالضرورة ما «يطلبه الجمهور»! فإن كان محليا على مستوى المقاطعة وليس الولاية فحسب، تكون التغطية شبه متواصلة تتوارى خلفها الأخبار الأمريكية «الوطنية» بما فيها الجدلية كملفي الفساد والهجرة غير الشرعية في ولاية مينيسوتا، وقطعا الأخبار العالمية، بما فيها حرب إيران الوشيكة أو المعلّقة!
«بعيدا عن السياسة»، قارنت بين قنوات لها مواقف متضاربة من الإدارة الراهنة، فما تحرّجت أكثرها حماسة لترمب وللحزب الجمهوري، من عرض أرقام ذات صلة لما أحدثته ثلوج «فيرن» وأمطارها الثلجية من انقطاع للتيار الكهربائي وكذلك خلو رفوف المتاجر الكبرى جراء تهافت الناس على الشراء استعدادا للعاصفة. لم تجد غضاضة أيضا في تغطية حالة الطرق، من حيث عدد الحوادث وإلغاء الرحلات الداخلية والوطنية -عبر الخمسين ولاية- وبعض الاضطراب الذي مسّ عددا من الرحلات ذات العلاقة بالملاحة الجوية الدولية.
«بعيدا عن السياسة» تم عرض كل شيء، و»حسنٌ في كل عين من تودّ»، ثمة من اعتبر الأرقام التفصيلية مؤشرا على حسن الاستجابة من قبل الفرق المعنية محليا وفدراليا، وثمة من واجه المنتقدين، المتهمين إدارة ترمب بالتقصير، بأن الأمر يؤكد صحة ما طرحته إدارته في الولاية الأولى، بضرورة إعادة بناء وتطوير البنى التحتية في بلاد العم سام من خلال أجندة «أمريكا أولا». ترمب سخر في أكثر من مهرجان انتخابي في ثلاث حملات رئاسية، سخر على نحو لاذع من قيام إدارات سابقة من الحزبين الجمهوري والأمريكي ببناء مرافق ومنشآت في دول بعيدة -في إشارة إلى أفغانستان- على حساب دافع الضرائب الأمريكي في الوقت الذي يرى مطارات في الشرق الأوسط أكثر تقدما وفخامة من مطارات أمريكية مرموقة عالميا من بينها «جي إف كيه» في نيويورك و»أوهير» في شيكاغو، و»دالاس» في ولاية فيرجينيا الذي تعهد بإعادة هيكلته وتطويره على نحو يليق بكونه أكبر مطار دولي قرب العاصمة واشنطن.
إن سمحت الحالة الجوية، نواصل الحديث غدا بعون الله عن الموضوع عينه، لكن «بعيدا عن الإدارة»!

مواضيع قد تهمك