محمد صابرين : هل نشهد «القطب الثالث»؟
تري هل نشهد إرهاصات محاولة أوروبا والهند لخلق قطب ثالث في عالم تهيمن
عليه ثنائية أمريكية-صينية؟! وقفز هذا السؤال بعدما أبرمت بروكسل ونيودلهي
مؤخرا ما يُسمى بـ»أم كل الصفقات» التجارية.
ولقد أنجزت الهند والاتحاد
الأوروبي رسميا الثلاثاء اتفاقية تجارة حرة شاملة تتويجا لعقدين من
المفاوضات، ما ينشئ «منطقة تجارة حرة تضم ملياري شخص». وفي ظلّ الوضع
الجيوسياسي المتقلب، تهدف هذه الاتفاقية إلى تمكين الجانبين من حماية
نفسيهما بشكل أفضل من المنافسة الصينية وتداعيات الحرب التجارية الأمريكية.
والأرجح
أن هاتين القوتين بينهما انجذاب حقيقي، وتاريخ طويل، وينظر الكثيرون في
أوروبا بأعجاب للثقافة الهندية، ويري الكثير من النخبة الأوروبية
والبريطانية ان الهند أمتداد للحضارة الغربية.
وبالامس احتفلت الهند
بالذكرى ال77 لتأسيس الجمهورية، ولقد حضر قادة الاتحاد الأوربي الاحتفال،
وتم توقيع علي ام الصفقات التجارية. وبينما يخطو العالم تجاه الهند، فأن
الاردن ومصر والإمارات والسعودية تجمعهم بالهند صداقة عميقة، وهناك نخبة
عربية ومصرية تعمل علي توسيع الشراكة مع الهند.
ويؤكد الصديق سوريش كيه.
ريدي سفير الهند لدى مصر أن نيودلهي تعتز بعلاقتنا مع مصر والعالم العربي،
وخلال الاحتفال بذكري تأسيس الجمهورية قال بفخر إنه يمثل أهمية خاصة
بالنسبة لنا إذ نحتفي من خلاله بمسيرة الهند التي تميزت بالنمو المستدام
والتنمية الشاملة والتحول الأخضر.
واوضح أن عام 2025 كان لحظة فارقة
عندما رسخت الهند مكانتها بقوة كقطب عالمي لتحقيق الاستقرار والابتكار، وفي
ظل حالات عدم اليقين والضبابية على الصعيد العالمي، أصبحت الهند رابع أكبر
اقتصاد في العالم، مسجلة نموًا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8.2% في
النصف الثاني من العام.
ولقد كان هذا النمو شاملًا وقائمًا على التصنيع،
حيث بلغت الصادرات رقمًا قياسيًا قدره 865 مليار دولار، وانخفض معدل
البطالة إلى 4.7%.
وفي الوقت نفسه تمضي الهند قدمًا في مجال التحول
الرقمي، و تصدّر بنيتها التحتية الرقمية العامة للعالم باعتبارها منفعة
عامة لكافة دول العالم. وفي عام 2025 وحده، عالج نظام المدفوعات الفورية
أكثر من 21 مليار معاملة في شهر واحد. كما أطلقنا «دروفا-64 بت»، وهو
المعالج الهندي المحلي، وأزحنا الستار عن «كيو بي آي-إندس»، وهو حاسوب كمي
فائق بسعة 25 كيوبت.
وشهد مجال البنية التحتية في الهند إنشاء 150,000
كيلومتر من الطرق السريعة وكهربة 50,000 كيلومتر من خطوط السكك الحديدية،
مما أحدث تحولًا في عملية الربط. وربما كان أعظم إنجازاتنا هو تحقيق أهداف
المناخ الخاصة بمؤتمر الأطراف (كوب-26) وذلك قبل الموعد المحدد بخمس سنوات،
علاوة على أن أكثر من 50% من القدرة المركبة لتوليد الكهرباء تأتي الآن من
مصادر غير أحفورية. كما تتطلع الهند إلى تحقيق المزيد من النجاحات في مجال
علوم الفضاء، بعد أن اختبرت بنجاح «فيومميترا»، وهو عبارة عن إنسان آلي
شبيه بالإنسان العادي، في خطوة تمهد الطريق لمهمة «جاجانيان» المأهولة
لاكتشاف المزيد من أسرار الفضاء.
ولقد عقدت القمة السادسة عشرة بين
الاتحاد الأوروبي والهند، ومثل الاتحاد الأوروبي رئيس المجلس الأوروبي
أنطونيو كوستا، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، فيما
استضافهما رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.
ورحب مودي بالخطوة
التاريخية لانها توصف في العالم بأنها الاتفاقية الأهمّ»،ستُتيح هذه
الاتفاقية فرصا كثيرة لسكان الهند البالغ عددهم 1,4 مليار نسمة، وللملايين
من مواطني الاتحاد الأوروبي»، وسوف «تُغطي ما يقرب من 25% من الناتج المحلي
الإجمالي العالمي، وثلث التجارة العالمية.
ووفقاً لمجلس الاتحاد
الأوروبي، فإن التجارة والأمن والدفاع والتحول النظيف والتعاون بين الشعوب
ستتصدر أجندة المناقشات، حيث تُعد الهند شريكاً حاسماً للاتحاد الأوروبي،
ويتشاركان القدرة والمسؤولية لحماية النظام الدولي القائم على القواعد. وما
يجعل هذه القمة استثنائية هو توقيتها،وتمكن الجانبين من إبرام «أم كل
الصفقات»، بعدما كانا يتفاوضان على اتفاقية تجارة حرة ضخمة بدأت المحادثات
بشأنها منذ نحو عقدين.
ومن ناحية اخري فإن السياق الذي عقدت فيه القمة
لا يمكن فصله عن السياسات الأمريكية، إذ ذكرت منصة «ذا فيدرال» الهندية أن
الصادرات الهندية، خاصة المنسوجات والمجوهرات، تعرضت لرسوم جمركية بنسبة
50% في الولايات المتحدة منذ أواخر أغسطس/آب 2025، ما يجعل اتفاقية التجارة
الحرة بديلاً مهماً، كما توفر الاتفاقية وصولاً فورياً بديلاً لاقتصاد
الاتحاد الأوروبي البالغ 22.5 تريليون دولار.
من جهتها قالت قناة
«يورونيوز»، إن الاتفاقية ستساعد الهند على تعزيز سوق صادراتها بعد أن ضربت
إدارة ترامب البلاد برسوم جمركية بنسبة 50%، بما في ذلك عقوبة 25% لشراء
النفط الروسي، بينما تتوقع أوروبا فوائد ملحوظة لمجموعة من القطاعات من
السيارات إلى المواد الكيميائية إلى النبيذ والمشروبات الروحية.
وعلي
الجانب الاخر فإن أوروبا سوف تستفيد من هذه الاتفاقية،وقالت رئيسة المفوضية
الأوروبية أورسولا فون دير لاين،»تصنع أوروبا والهند التاريخ»، ولقد
أبرمنا أهم اتفاقية على الإطلاق، وأنشأنا منطقة تجارة حرة تضم ملياري شخص
سيستفيد منها الطرفان».
ورحبت ألمانيا بلسان وزير ماليتها لارس كيغبايل
بالاتفاق، معتبرة في بيان أن «أوروبا والهند تربطهما قوتهما الاقتصادية
وقدرتهما على الابتكار ومصالح مشتركة». وأكد الوزير أن «هذا الاتفاق يخلق
فرصا جديدة للنمو ولاستحداث وظائف نوعية».
ويبقي أن هذه خطوة جبارة في
طريق بزوع قطب ثالث، والارجح أن هذه المياه التي تجري بقوة في نهر العلاقات
الأوروبية الهندية سوف يكون لها تداعيات مهمة. وأحسب أن أطرافا دولية عدة
تراهن على مستقبل الهند، وبالنظر للتاريخ الطويل الذي يربط العالم العربي
بالهند فإن الدول العربية بحاجة لأن تفوز بنصيب وافر من مستقبل القوة
الهندية الصاعدة.