الأخبار

رمزي الغزوي : جرثومة التخلف

رمزي الغزوي : جرثومة التخلف
أخبارنا :  

عدتُ إلى قراءة كتاب «جرثومة التخلف» لمراد وهبة، لا بدافع الحنين ولا من باب الوفاء، بل كون صاحبه غادرنا قبل أيام عن عمر 100 عام، فيما بقيت الأسئلة التي طرحها حية، جارحة، وأكثر إلحاحا من أي وقت مضى. وكأن الموت يعيد فتح الكتاب لا إغلاقه، وكأن الرحيل يحرّر النص من سياقه الزمني ليقف عاريا أمام حاضرنا المرتبك.
في هذه المرة بدا لي الكتاب أقل تصالحا مما كان. يفضح ما اعتدنا التعايش معه حتى صار مألوفا. هنا لا يقدم وهبة عزاء فكريا أو بلسما اجتماعيا، بل يضع إصبعه على العصب الموجوع، ويمضي، تاركا الواحد منا وجها لوجه مع سؤال التخلف بوصفه عاهة ذهنية قبل أن يكون أزمة تاريخ.
لم يمارس وهبة استعراضا فلسفيا منفصلا عن لحم الواقع ودمه، بل فتح جرحا قديما، عميقا، ظللنا طويلا نعالجه بالمسكنات والشعارات. كتابه أشبه ما يكون بتشريح مؤلم لعقل تعايش مع العطب حتى حسبه قدرا لا فكاك منه.
ولهذا فالتخلف، كما يراه وهبة، ليس فقرا، ولا نقصا في الإمكانات، ولا نتيجة آلية للاستعمار أو القهر السياسي، بل هو قبل كل شيء حالة ذهنية مستقرة. جرثومة دقيقة تستوطن العقل، تتغذى على اليقين الجاهز، وترتعب من السؤال، وتخاصم الشك. عقل يفضل الطمأنينة الكاذبة على القلق الخلّاق، ويستعذب الطاعة أكثر من متعة التفكير. هنا لا يبدو التخلف غيابا للتقدم، بل مقاومة عنيدة له، وعداء صامتا لكل ما يهدد الثبات والركود.
في عمق هذا التشخيص يقف التراث، لا بوصفه مشكلة في ذاته، بل طريقة تعاملنا معه. فهو حين يتحول من تاريخ حي إلى مقدس جامد، ومن تجربة بشرية إلى نص مغلق، يغدو أداة شلل لا مصدرا للإلهام. وحين يمنع العقل من مساءلته، لا يعود حارسا للهوية، بل يتحوّل إلى سجّان للمستقبل. ليست المعضلة في الماضي، بل في تحويله إلى سقف منخفض لا يسمح لنا بالوقوف منتصبين.
ويمتد هذا العطب إلى التعليم، حيث تظهر الجرثومة في أوضح صورها. تعليم يكدّس المعلومات ويقتل الفهم، يقدّس الإجابة ويجرّم السؤال، ويصنع أجيالا تحفظ أكثر مما تعقل، وتخشى الخطأ أكثر مما تخشى الجهل. هكذا يعاد إنتاج التخلف بهدوء قاتل، دون صراخ، ودون دماء، لكن بفاعلية مدمرة وعميقة الأثر.
ويربط وهبة بوضوح بين التخلف والاستبداد، فهما وجهان لعملة واحدة. عقل مأزوم لا يحتمل الحرية، وسلطة لا تحتمل العقل. كلاهما يتغذيان من الخوف، ويعيشان على تعطيل النقد، ويجدان في الإنسان المطيع بيئة مثالية للاستمرار والتكاثر.
لم يقدم الكتاب حلولا سهلة، ولم يوزع وعودا مطمئنة. كل ما اقترحه طريقا شاقة، تبدأ بإعادة الاعتبار للعقل النقدي، وللفلسفة بوصفها تمرينا على الشجاعة، لا ترفا ذهنيا. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ من الخارج، ولا من القوانين وحدها، بل من هدم الأصنام الصغيرة التي استقرت في رؤوسنا، واستوطنت عادات تفكيرنا.
ويبقى السؤال معلقا، جارحا، بلا مجاملة: هل نملك شجاعة مواجهة الجرثومة، أم أننا ألفنا التعايش معها حتى صرنا ندافع عنها؟

مواضيع قد تهمك