الأخبار

اسامة محمد العزام : وسط إربد.. استعادة الروح وانعاش الاقتصاد

اسامة محمد العزام : وسط إربد.. استعادة الروح وانعاش الاقتصاد
أخبارنا :  

لم تكن المدن يوماً مجرد كتلٍ صامتة من الإسمنت والإسفلت، بل هي كائنات حية تتنفس عبر ساحاتها، وتحفظ ذاكرتها في مبانيها التراثية، وتجدد دماءها عبر اقتصاديات المكان. واليوم، ونحن نشهد الحراك الدؤوب الذي تقوده بلدية إربد الكبرى - بدعم حكومي مقدر - لتطوير صحن المدينة وظهر التل، فإننا لا نتحدث عن مجرد عملية تجميل عابرة، بل عن استحقاق تنموي تأخر كثيراً لعروس الشمال، وعن جراحة ضرورية لقلب المدينة لإعادة ضخ الحياة في عروقه التجارية والسياحية.

إن ما يجري الآن من خطوات لربط المباني التراثية - كمبنى البلدية القديم وبيت علي خلقي الشرايري وبيت النابلسي - بمسار حضري متصل، وتحويلها إلى مساحات صديقة للمشاة، هو تطبيق عملي لمفهوم "أنسنة المدن". هذا المفهوم لم يعد تنظيراً أو ترفاً فكرياً، بل أصبح ضرورة اقتصادية ملحة في عالم التخطيط الحضري الحديث. فالتجربة العالمية، والشواهد الوطنية القريبة منا، أثبتت أن الحركة التجارية والجاذبية الاستثمارية في وسط البلد تتضاعف حين يتحول من مجرد ممر للسيارات العابرة إلى مستقر للمشاة والمتسوقين والسياح.

ولنا في تجربة السلط برهانٌ حي على كيفية تحويل التراث إلى رافعة اقتصادية. فإدراج السلط على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وتطوير ساحة العين والوسط التراثي، لم يحفظ الحجر فحسب، بل خلق هوية سياحية فريدة، وشرّع أبواب الرزق للشباب عبر مشاريع صغيرة ترتكز على اقتصاد التجربة. وفي الدوحة، يُقدم سوق واقف نموذجاً عالمياً لكيفية إعادة بناء الذاكرة لتكون محركاً تجارياً يضاهي أرقى المجمعات التجارية العصرية، حيث تحول المكان بفضل التركيز على الهوية المعمارية وبيئة المشاة الآمنة إلى الوجهة الأولى للدولة.

وبالعودة إلى إربد، فإن لغة الأرقام والدراسات الاقتصادية تؤكد أن "اقتصاد المشاة" هو الأقدر على إنعاش الأسواق التقليدية. المتسوق الذي يسير على قدميه ينفق وقتاً أطول ومالاً أكثر من ذلك الذي يقود سيارته وهو منشغلٌ بزحام الطريق؛ فقد أظهرت بيانات حديثة في وسط عمان ارتفاعاً ملحوظاً في مبيعات المحلات التجارية بعد مشاريع التحسين الحضري. فالهدف هو تحويل وسط إربد من مجرد نقطة عبور، إلى وجهة رئيسية للتسوق والترفيه والثقافة، مما يعيد للوسط التجاري بريقه الذي خفت لصالح المراكز التجارية الطرفية.

إن المشروع الجديد يضع أمامنا فرصة ذهبية لإعادة تموضع إربد على الخارطة التنموية والاستثمارية. إن تحويل ظهر التل إلى رئة خضراء ومسار ثقافي، بالتزامن مع حلول ذكية للمواقف والنقل الترددي، سيخلق بيئة جاذبة للاستثمار ويحفز الحركة التجارية. ولضمان ديمومة هذا النجاح، يستوجب الأمر الاستناد إلى ثلاث ركائز:

أولاً: تعزيز الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص، باعتباره الحاضنة الأساسية للنشاط التجاري في المدينة والمستفيد الأول من تطويرها. ثانياً: السرعة في الإنجاز وتنفيذ الأعمال الميدانية، لضمان أن يلمس المواطن والتاجر ثمرة التطوير في أقرب وقت. ثالثاً: النظر للمشروع كحزمة متكاملة؛ فالتراث، والمرور، والاقتصاد، والبيئة، حلقات متصلة، تتطلب توازياً دقيقاً بين التطوير الحضري والمعالجات المرورية لضمان نجاح التجربة.

إن إربد، بتاريخها ورجالاتها وإرثها الثقافي الممتد، تستحق وسط مدينة يليق بها. وإذ نثمن هذه الخطوات الجادة والرؤية الطموحة للقائمين على العمل البلدي في إربد وسعيهم لإخراج هذا الحلم إلى النور، فإننا ننظر بعين التفاؤل للمستقبل، مؤمنين بأن الاستثمار في المكان هو استثمار في الإنسان، وأن العائد من هذا التطوير سيكون اقتصادياً واجتماعياً بامتياز، يعيد للقلب نبضه، وللمدينة روحها، متمثلين في ذلك مناجاة شاعرها الخالد عرار حين قال: "يا جيرةَ التلِّ.. حيّا اللهُ مغناكِ"، ليبتسم هذا التل ويحيا هذا الإرث نابضاً بالحياة، وشاهداً على تجدد المدينة.

مواضيع قد تهمك