د. عبد الفتاح الحايك : حزم القيادة وإنسانيتها ووحدة الوطن في مواجهة الإرهاب
لم تكن أحداث الكرك الأليمة مجرد جريمة إرهابية استهدفت أرواح مواطنين أبرياء، بل كانت اختباراً لقوة الدولة الأردنية وتماسك مجتمعها، وكشفت في الوقت ذاته عن نهج القيادة الهاشمية في التعامل مع الأزمات؛ نهج يجمع بين الحزم في حماية الوطن، والإنسانية في الوقوف إلى جانب أبناء الشعب، والتمسك بوحدة الأردنيين باعتبارها خط الدفاع الأول عن أمن المملكة واستقرارها.
لقد جسّد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه، من خلال متابعته المباشرة لتداعيات الجريمة واطمئنانه على المصابين وزيارته لهم في المستشفى، صورة القائد الذي لا تفصله مسؤولياته عن مشاعر شعبه، ولا تحجب عنه واجبات الدولة آلام الأسر التي فقدت أبناءها، فقد حملت مواقفه رسالة إنسانية ووطنية عميقة، مفادها أن المواطن الأردني ليس رقماً في سجلات الحوادث، بل هو إنسان عزيز، وكرامته وأمنه وسلامة أسرته مسؤولية الدولة وقيادتها.
وما يلفت الانتباه في هذا الموقف هو تكامل البعدين الإنساني والأمني؛ فالقائد الذي يواسي أسر الشهداء ويقف إلى جانب المصابين هو ذاته القائد الذي يؤكد أن دماء الأبرياء لن تذهب هدراً، وأن يد العدالة ستصل إلى كل من تسوّل له نفسه الاعتداء على الوطن وأبنائه.
ولم يتوقف الموقف الهاشمي عند حدود المتابعة والتوجيه، بل تجسد بصورة إنسانية عميقة من خلال زيارة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى بيت عزاء الشهداء في قرية حمود، وتقديم واجب العزاء لذويهم، ناقلاً مشاعر جلالة الملك وتعازيه ومؤكداً أن الاعتداء على المواطنين في دور العبادة هو اعتداء على الأردن والأردنيين جميعاً.
كما جاءت زيارة جلالة الملكة رانيا العبدالله، ترافقها سمو الأميرة رجوة الحسين وسمو الأميرة سلمى بنت عبدالله الثاني، لتقديم واجب العزاء والمواساة لأسر الشهداء، لتؤكد أن الموقف الهاشمي ليس موقفاً بروتوكولياً عابراً، بل تعبير صادق عن المشاركة الوجدانية والوقوف إلى جانب أبناء الوطن في أحلك الظروف، وهي مواقف تحمل دلالات عميقة على نهج العائلة الهاشمية في القرب من الأردنيين ومشاركتهم أفراحهم وأحزانهم، دون تمييز بين دين أو منطقة أو أصل؛ فكل الأردنيين أهل وعزوة، ووجع أي أسرة أردنية هو وجع الوطن بأسره.
وعلى الصعيد الأمني، أكدت توجيهات جلالة الملك الحازمة بملاحقة الجناة وضبطهم أن أمن الأردنيين وكرامتهم خط أحمر لا يقبل المساومة، وقد تمكنت الأجهزة الأمنية من إلقاء القبض على المتورطين، في إنجاز يعكس مستوى الجاهزية والاحترافية، ويؤكد أن الدولة الأردنية تمتلك الإرادة والقدرة على حماية مواطنيها، وأن الإرهاب لن يجد في الأردن بيئة آمنة أو مساحة للإفلات من العدالة.
لكن المعركة الحقيقية لا تقتصر على ملاحقة المجرمين، بل تمتد إلى مواجهة الفكر المتطرف والتكفيري الذي يغذي الكراهية وينكر حق الإنسان في الاختلاف والعيش بكرامة، فالإرهاب لا يُهزم أمنياً فقط، وإنما يحتاج إلى منظومة وطنية متكاملة تشارك فيها الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، لترسيخ ثقافة المواطنة وقبول الآخر والانتماء الوطني.
أما المشهد الأكثر دلالة في هذه المحنة، فكان وحدة الأردنيين وتكاتفهم، ومشاركة الآلاف في تشييع الشهداء، ووقوف أبناء الوطن بمختلف أصولهم ومنابتهم وانتماءاتهم إلى جانب أسر الضحايا، لقد أثبت الأردنيون مجدداً انهم جميعا شركاء في الوطن والمصير، وأن دور العبادة جزء من النسيج الوطني الواحد، وأن الاعتداء على أي مواطن هو اعتداء على الأردن بأكمله.
إن الخطر الحقيقي الذي يجب أن نحذره هو أن تنجح الأفكار المتطرفة في تحويل الجريمة إلى فتنة، أو أن تستثمر منصات التحريض والشائعات في تمزيق الثقة بين أبناء المجتمع، فالمجرمون لا يمثلون ديناً ولا طائفة ولا محافظة، وإنما يمثلون فكراً منحرفاً لا مكان له بين الأردنيين.
إن الكرك لم تكن وحدها في هذه الفاجعة، بل كان الأردن كله معها؛ قيادةً وشعباً ومؤسسات، وهذه هي الرسالة الأهم التي يجب أن تبقى حاضرة في وجداننا أن الأردن أسرة واحدة، وقيادته الهاشمية عنوان وحدته، وأمنه واستقراره مسؤولية الجميع.
حفظ الله الأردن آمناً مستقراً، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي عهده الأمين، ورحم شهداء الوطن، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وأدام على وطننا نعمة الأمن والوحدة والتماسك.