القس سامر عازر : العروبة هي العنوان.. هكذا كان أبي وسيكون ابني
القس سامر عازر
تابعنا خطاب العرش السامي في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، والذي تضمّن محاور متعددة تحمل العديد من الرسائل التي وجب التقاطها من قبل مجلس الأمة والدولة والشعب، للسير بهديها والعمل على تنفيذ معانيها، ووضع الخطط والسياسات الضرورية لتنفيذها، تماشيًا مع توجهات رأس الدولة الأردنية، جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم.
ويأتي هذا الخطاب المهم بعد أقل من أسبوعين على حادثة الكرك الإرهابية، التي حاولت عبثا يد الغدر والإرهاب من خلالها النيل من وحدة الصف الأردني وتمزيق الحالة الوطنية والعروبية التي يقف عليها المجتمع الأردني.
صحيح أن الاستهداف المباشر كان لكنيسة القديس جاورجيوس في قرية حمود بالكرك، وأن الشهداء التسعة الذين سقطوا كانوا أردنيين مسيحيين، لكن الاستهداف في حقيقته كان استهدافًا لوطن بأكمله، ونيلًا من وحدته وتلاحمه، واختبارًا لمدى صلابة نسيجه الوطني ومتانته. فجاء الجواب سريعًا وقويًا بأن الأردنيين جسد واحد، ويد واحدة، وقلب واحد. فقبل أن يكونوا مسيحيين ومسلمين، هم مواطنون أردنيون، ودمهم غالٍ، كما عبّر عن ذلك سيد البلاد في منشوره عقب الحادثة على منصة إكس، بقوله: "دم الأردني غال" . وهي رسالة واضحة بأن دماء الأردنيين جميعًا مصونة، وأن الوطن لا يقبل التجزئة أو التمييز بين أبنائه.
وفاءً لدماء الشهداء، تحركت أجهزة الدولة لتتصدى لهذا العمل الإرهابي الغاشم والجبان، وتقطع دابره. فالأردن خط أحمر، وكذلك الأردنيون، فهم جميعًا موضع ثقة جلالة الملك، الذي أكد في خطاب العرش السامي قائلًا: "وأنتم موضع ثقتي، وأهلي وعشيرتي أمانة في عنقي. وأعتمد، بعد الله، على برّكم بهذه الأرض" .
هذه الكلمات تحمل في طياتها مسؤولية القيادة تجاه شعبها، ومسؤولية الشعب في الحفاظ على وطنه وصون وحدته. فالأردنيون جميعًا هم الأهل والعشيرة، مهما تعددت مشاربهم وأديانهم، ومن واجب الدولة أن توفر لهم الحماية والأمن، وأن تحميهم من كل يد غاشمة، أو مطامع توسعية، أو تطرف أو إرهاب أو خطاب كراهية يسعى إلى العبث بنسيج بلدنا الواحد المتماسك، الذي يزداد قوة وصلابة كلما اشتدت به الخطوب وألمّت به التحديات.
وعلى وعي الأردنيين جميعًا يعوّل جلالة الملك، الذي عبّر عن ذلك بوضوح في خطاب العرش قائلًا: "ولا يزال رهاني على الأردني، على وعيه حين تلتبس الطرق، وعلى حكمته حين تعلو الانفعالات، وعلى إخلاصه ووفائه حينما تشتد المحن" . لبيك يا سيدنا. فهذا الرهان على وعي الأردنيين وحكمتهم ووفائهم هو رهان على أصالة هذا الشعب وقدرته على تجاوز المحن، وعلى إدراكه أن وحدته الوطنية ليست شعارًا نرفعه في المناسبات، بل مسؤولية نعيشها ونحميها كل يوم. وعلى هذه الأرض المقدسة نحيا، وهنا زنود الفرسان التي تحمي تراب الوطن وتصون كرامته، وهم الذين أقسموا على حب الله والوطن والمليك.
وما دقيقة الصمت التي دعا إليها صاحب الجلالة في خطاب العرش إلا تعبير عن الوفاء لدماء الشهداء، وتجسيد لقيمة الإنسان وحرمة الدم، حين قال جلالته: "إن دماء شهداء الكرك عهد في أعناقنا"، ودعا مجلس الأمة إلى الوقوف دقيقة صمت على أرواحهم. إنها ليست مجرد دقيقة صمت، بل عهد وطني وأخلاقي بأن تبقى دماء الأردنيين أمانة في أعناقنا جميعًا، وأن تظل حماية الإنسان وكرامته وأمنه مسؤولية لا تقبل التهاون.
فالوطن أكبر من أي شيء ومن أي عنوان، وهو وطن الجميع الذي لا يميّز بين مسلميه ومسيحييه. بل إن تاريخه العروبي يتجسد في الحفاظ على المكوّن المسيحي كما المسلم؛ لأن العروبة دم يسري في عروقنا، وتجمعنا اللغة العربية والثقافة العربية التي اغتنت من الفكر الإسلامي والمسيحي معا، ومن غنى التراث المشترك الذي شكّل جناحي الطير العروبي.
وعلى نهج العروبة سار الهاشميون، ورسّخته الثورة العربية الكبرى، وأرسى قواعده المغفور له الملك المؤسس عبدالله الأول ابن الحسين، من خلال احتضان جميع أبناء الوطن، من عشائر مسيحية ومسلمة، على قاعدة المواطنة والشراكة في بناء الدولة. وقد كفل الدستور الأردني حرية العبادة وصون دور العبادة وحمايتها، تحت ظل الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
وسار على هذا النهج المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، والدي، كما جاء في خطاب العرش السامي، وسيكمل المسير ابني، سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني المعظم.
وما أشار إليه جلالة الملك في خطابه التاريخي هو النهج الهاشمي الثابت في التمسك بالعروبة والدفاع عن قضايا الأمة، وقد عبّر جلالته عن ذلك بكلمات واضحة لا تحتمل التأويل، حين قال: "ما زلنا ثابتين على موقفنا، متمسكين بعروبتنا وبالدفاع عن قضايا أمتنا، كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي .. .".
إنها العروبة التي تجمعنا ولا تفرق بيننا على أساس ديني أو إثني أو عرقي، وهي الحاضنة التي يجب أن تشكّل عنوان المرحلة القادمة، للحفاظ على بلادنا ومستقبل وجودنا معًا، كمسلمين ومسيحيين، ولتعزيز ثباتنا على أرض آبائنا وأجدادنا، والتصدي لمخططات التهجير التي تستهدف نسيجنا الوطني، والحد من هجرة أدمغتنا من المفكرين والمبدعين، لنحافظ على تنوع نسيجنا الوطني وغناه، باعتباره مصدر قوة وثروة إنسانية وحضارية، وضرورة لاستعادة ألق حضارتنا العربية الإسلامية والمسيحية في أرضنا المقدسة، حيث يسود القانون فوق الجميع، وتُصان كرامة الإنسان وحقوقه، وحيث تكون المواطنة أساس العلاقة بين أبناء الوطن الواحد.
فالعروبة ليست مجرد انتماء لغوي أو شعار تاريخي، بل هي هوية جامعة، وثقافة مشتركة، ومسؤولية أخلاقية وحضارية، تحمي التنوع ولا تلغيه، وتحتضن الاختلاف ولا تحوّله إلى انقسام.
وهذا هو النهج الذي رسّخه الهاشميون، والذي نريده أن يبقى حاضرًا في وجدان الأجيال القادمة ومستقبلها.
فكما كان أبي، الحسين، متمسكًا بعروبته ومدافعًا عن قضايا أمته، وكما يواصل ابني، الحسين، هذا النهج، ستبقى العروبة هي العنوان، وسيبقى الأردن وطنًا يحتضن جميع أبنائه، ويصون كرامتهم وحقوقهم، ويؤمن بأن قوته في وحدته وتنوعه.
هكذا كان أبي، الحسين، وسيكون ابني، الحسين.