اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د موفق الزيادات : رهانُ المواطنة: من: (رهاني على الأردني) إلى: ما الفكرة التي لا تزال الدولة تنتظرها من المسيحي؟

د موفق الزيادات : رهانُ المواطنة: من: (رهاني على الأردني) إلى: ما الفكرة التي لا تزال الدولة تنتظرها من المسيحي؟
أخبارنا :  

د موفق الزيادات

لم يضع خطاب العرش المسيحي الأردني، في يوم الاثنين 2 تشرين الثاني 2026، في خانة الأقلية، ولم يستدعِ قاموس الحماية أو التعايش بعد جريمة الكرك؛ بل اختار جلالة الملك عبد الله الثاني تعبيراً أشد عمقاً حين وصف الإرهابيين بأنهم (خرجوا عن عائلتنا الأردنية العظيمة)، ثم حدد معيار قوة الأردن بقوله: فقوة الأردن في شعب إن اشتدت الخطوب، ازداد تماسكاً وبصيرة وحكمة. هنا تنقلب زاوية النظر: الخارج عن الجماعة الوطنية ليس المختلف دينياً، بل من يعتدي على أمنها ووحدتها؛ والانتماء لا تقيسه الطائفة، وإنما الوفاء للعائلة الوطنية وقيمها. لذلك يمكن قراءة الخطاب بوصفه انتقالاً من مفهوم حماية المسيحي إلى مفهوم أعمق هو حماية المواطنة. فالمسيحي الأردني، في هذا المنطق، ليس طرفاً يعيش تحت مظلة أغلبية تحميه، بل ابنٌ أصيل في عائلة وطنية واحدة؛ له من الوطن ما لغيره، وعليه تجاهه ما على غيره. فالمواطنة الجذرية- Rooted Citizenship؛ لا تحتاج إلى شهادة تثبت أنها من الأرض، وإنما إلى فضاء كامل تشارك فيه بحرية غير منقوصة في صناعة ما ينمو فوقها.
وتتضح الرسالة بتأكيد جلالته: ولا يزال رهاني على الأردني، على وعيه حين تلتبس الطرق، وعلى حكمته حين تعلو الانفعالات، ... وأن (اختلافكم في الرأي قوة، طالما كانت مصلحة الأردن هي الغاية) ، وأن (التداول بالشأن العام حق مشروع لكم يصونه الدستور ويحميه). ف اللافت أن الخطاب لا يكتفي بمنح الاختلاف شرعيته، بل يحمّله مسؤوليته؛ فالقيمة ليست في أن يمتلك المواطن صوتاً مختلفاً فحسب، وإنما في أن يحوّل اختلافه إلى إضافة للمصلحة العامة. هنا يصبح التحدي أمام المسيحي الأردني أعمق من إثبات الحضور أو المطالبة بالتمثيل: أن ينتقل من حق التعبير عن الهوية إلى مسؤولية إنتاج الفكرة الوطنية. فلا يبقى حضوره المسيحي محصوراً في الحديث عن قضاياه أو مناسباته أو مخاوفه، بل يقدم، من داخل منظومته الأخلاقية والفكرية والحضارية، رؤيته للمياه والتعليم والاقتصاد والفقر والعدالة والتكنولوجيا والبيئة ومستقبل الدولة. فاكتمال المواطنة لا يحدث عندما يُسمح لك أن تتحدث عن نفسك، بل عندما تصبح شريكاً في الحديث عن مصير الجميع. مواطنة لا تسـتأذن طلب مساحة للتعبير، بل مواطنة تمتلك فكرة تستحق أن تُقال، وشجاعةً لقولها، ومسؤوليةً عن أثرها.
يبرز هنا السؤال الذي ينبغي، في تقديري، أن ينتقل إلى قلب الخطاب: ما الفكرة التي لا تزال الدولة تنتظرها منا؟ ربما لا تنتظر الدولة من المسيحي الأردني مزيداً من البرهنة على أنه ينتمي إليها؛ فهذه قضية حسمها التاريخ والدستور والدم المشترك، وإنما تنتظر منه أن يحوّل رصيده الحضاري إلى قيمة وطنية قابلة للمستقبل. أن يقدم من تراثه في كرامة الإنسان والخدمة والتعليم والرعاية والانفتاح على العالم، ومن خبرته التاريخية في العيش داخل التعدد، ومن فلسفته التي ترى الإنسان قبل تصنيفه، إسهاماً أردنياً لا يخدم المسيحيين وحدهم، بل يوسّع قدرة الدولة على أن تكون أكثر إنسانية، وعدالة، ومعرفة، وانفتاحاً.
الفكرة التي تنتظرها الدولة منا ليست؛ فكرة مسيحية للمسيحيين، وإنما فكرة أردنية لها بصمة مسيحية ويستفيد منها الجميع. هنا يصبح الاختلاف مورداً للدولة لا ملفاً تديره؛ وتصبح الخصوصية قدرةً على الإضافة لا سبباً للمطالبة بالاستثناء. فالمساهمة الحضارية الحقيقية ليست أن نكرر ما يستطيع الجميع قوله بالطريقة نفسها، بل أن نضيف إلى المائدة الوطنية زاوية رؤية كان يمكن أن تبقى غائبة لو غبنا نحن عنها.
عند ذلك يتغير السؤال من؛ ما موقع المسيحي في الدولة؟ إلى؛ ما الذي أصبح أفضل في الدولة لأن المسيحي كان شريكاً في بنائها؟؛ ويتغير معه معنى المؤسسات المسيحية ذاتها. فالمدرسة لا تقاس فقط بعدد طلبتها، بل بالإنسان الذي تقدمه للأردن؛ والمستشفى لا يختزل في تاريخ الخدمة، بل في فلسفة الكرامة التي يكرسها؛ والجامعة والمثقف ورجل الأعمال ورجل الدين لا تكتمل قيمتهم بتمثيل جماعة أمام الدولة، بل بما يضيفونه إلى عقل الدولة وضمير المجتمع وقدرتهما على استشراف المستقبل. وهنا أيضاً تصبح المحاصصة، مهما حسنت نواياها، أصغر من طموح المواطنة؛ لأنها لا تسأل كم مقعداً حصلتم عليه؟ بل كم فكرة أضفتم؟ كم مشكلة ساهمتم في حلها؟ وكم مساحة في المستقبل ساهمتم في فتحها أمام الجميع؟ فالأعداد تثبت الحضور، أما الأثر فيثبت الشراكة.
ولعل أعمق ما يستحق البناء عليه في الخطاب بعد الحديث عن الإرهاب والشهداء، أنه لم يدعُ الأردنيين إلى الاحتماء بالخوف، بل راهن على وعيهم وبصيرتهم وحكمتهم؛ ولم يجعل الاختلاف تهديداً، بل وصفه بالقوة؛ ولم يحصر المواطن في موقع المتلقي، بل أكد حقه في الشأن العام. ومن هذه الثلاثية يمكن صياغة مسؤولية مستقبلية جديدة: وعيٌ يمنع الخوف من إعادة تعريف الآخر، واختلافٌ يضيف إلى عقل الدولة، ومواطنةٌ لا تكتفي بأن ترث الوطن، بل تشارك في تعريف مستقبله. وهنا تقع المسؤولية على المسيحي الأردني نفسه: ألا يحوّل التاريخ إلى وثيقة ملكية للماضي، ولا الهوية إلى مناسبة، ولا القلق إلى انكفاء، ولا المقاعد المضمونة إلى سقف للطموح؛ بل أن ينتقل من سؤال كيف نحافظ على وجودنا؟ إلى سؤال أكثر شجاعة: ما الذي سيخسره مستقبل الأردن إن لم نقدم أفضل ما لدينا؟
فالوفاء لشهداء الكرك لا يكتمل فقط بأن نتذكر كيف ماتوا، بل بأن نقرر كيف سنعيش بعدهم. وإذا كان الإرهاب قد حاول أن يسأل الأردنيين: مَن منكم الآخر؟ فإن خطاب العرش قدّم الإجابة السياسية والأخلاقية الأوضح: لا آخر داخل العائلة الأردنية؛ الآخر الحقيقي هو من يخرج على قيمها ويعتدي على أمنها ووحدتها. وربما يكون الواجب بعد ذلك ألا نبقى منشغلين بإثبات أن المسيحي جزء من الأردن؛ فتلك حقيقة أقدم من السؤال نفسه، بل أن ننتقل إلى السؤال الذي يليق بالمستقبل: أيُّ أردنٍ يمكن أن نصنعه معاً، وما الفكرة التي سيعرف التاريخ يوماً أن المسيحي الأردني أضافها إليه حين كان الوطن ينتظرها؟

مواضيع قد تهمك