د. رعد محمود التل : من يحمي العدالة الضريبية؟
معروف بأن كفاءة السياسة الضريبية لا تقاس بحجم الإيرادات التي تجمع فحسب، بل بالقدرة أيضاً على تحقيق العدالة بين المكلفين، ومنع التشوهات التي تجعل الامتيازات الضريبية مصدراً للمنافسة غير المتكافئة. وفي ظل الضغوط المتزايدة على المالية العامة، تغدو مراجعة الإعفاءات والاستثناءات ضرورة متجددة ليس بهدف زيادة العبء الضريبي، وإنما لضمان تحصيل الإيرادات المستحقة وتوجيه الحوافز نحو أهدافها الإنتاجية والتجارية.
المناطق الحرة أُنشئت لتكون أداة لتعزيز انفتاح
الاقتصاد على الأسواق الخارجية، وتشجيع الصادرات وإعادة التصدير، وتنشيط حركة التجارة الدولية والترانزيت، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية من خلال توفير بيئة تجارية واستثمارية تنافسية. كما تستهدف تحويل الدولة إلى مركز إقليمي للخدمات اللوجستية والتخزين والتوزيع، وتوفير فرص العمل ونقل الخبرات والتكنولوجيا، وتوليد قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. لكل ذلك، فالإعفاءات والحوافز الممنوحة للمناطق الحرة ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق هذه الأهداف. وعندما يتجه النشاط داخل المنطقة الحرة إلى خدمة السوق المحلية بصورة تتجاوز طبيعة التجارة الخارجية وإعادة التصدير، تبرز الحاجة إلى مراجعة مدى اتساق هذه الحوافز مع النشاط الفعلي، وضمان عدم تحولها إلى ميزة تنافسية غير عادلة على حساب التجار العاملين داخل المملكة والخاضعين للالتزامات الضريبية ذاتها.
البيانات المتاحة للمنطقة الحرة في الزرقاء والمتعلقة بتجارة السيارات في فيها تظهر نموذجاً يستحق الدراسة. فقد أظهرت البيانات المتاحة للفترة من بداية عام 2022 وحتى 25 تشرين الأول 2026 أن عدد السيارات المخلّص عليها بلغ نحو 195.6 ألف سيارة، بقيمة إجمالية قاربت 2.69 مليار دينار. كما بلغ صافي الربح المقدر وفق البيانات نحو 537.8 مليون دينار، فيما وصلت الضريبة المقدرة على هذه الأرباح، بافتراض تطبيق نسبة 20%، إلى نحو 107.6 مليون دينار.هذه التقديرات تثير تساؤلات مهمة حول حجم الالتزامات الضريبية الفعلية، ومدى توافق الضرائب المحصلة مع الأرباح المتحققة.
تكشف البيانات أيضاً عن توسع ملحوظ في النشاط إذ ارتفع عدد السيارات للسوق المحلية من نحو 40.3 ألف سيارة عام 2022 إلى 82.6 ألف سيارة عام 2025، فيما ارتفعت الأرباح المقدرة من 99.1 مليون دينار إلى 193.5 مليون دينار. وهذا التوسع يستدعي تطوير أدوات الرقابة الضريبية وربط البيانات الجمركية بالفواتير والإقرارات الضريبية، للوصول إلى صورة أكثر دقة عن الأرباح الفعلية والالتزامات المترتبة عليها.
ان منظور اقتصادي فإن اختلاف المعاملة الضريبية بين منشآت تمارس النشاط ذاته وتستهدف المستهلك نفسه قد يؤدي إلى تشوه المنافسة وتوجيه الاستثمارات نحو الأنشطة الأكثر استفادة من الإعفاءات، بدلاً من الأنشطة الأكثر كفاءة وإنتاجية. وهذه مشكلة تتجاوز خسارة الإيرادات، لأنها تؤثر في تخصيص الموارد وفي قدرة المنشآت العاملة داخل الاقتصاد المنظم على الاستمرار والتوسع.ما المطلوب إذًا؟ ببساطة مراجعة التشريعات الناظمة للمناطق الحرة ووضع حدود واضحة بين النشاط التجاري الموجه للأسواق الخارجية والمبيعات التي تنتهي في السوق المحلية، مع ضمان تطبيق الالتزامات الضريبية المقررة قانوناً. كما ينبغي إخضاع الحوافز الاقتصادية لتقييم دوري يقيس أثرها في الصادرات والاستثمار وفرص العمل، مقارنة بتكلفتها على الخزينة.
الإصلاح الضريبي لا يعني إلغاء المزايا الاستثمارية، بل ضمان توجيهها نحو الأنشطة التي تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني. فالعدالة في المعاملة الضريبية ليست مجرد وسيلة لزيادة الإيرادات وإنما شرط أساسي لبناء سوق تنافسية، وحماية الاستثمار وتعزيز الثقة بالسياسات الاقتصادية.
ــ الراي