رمزي الغزوي : عين باب برحابة كوكب
في الفيزياء، تكون المادة شفافة حين تسمح للضوء بالنفاذ عبرها. أما في حياتنا، فقد اكتسبت الشفافية معنى غريبا؛ صار المطلوب أن تكون أرواحنا قابلة للاختراق، وأسرارنا مكشوفة، ونوايانا معروضة كالبضائع خلف الزجاج. لا أعرف كيف انتهينا إلى زمن يبدو فيه احتفاظ الإنسان بشيء لنفسه مدعاة للريبة، وكأن الخصوصية خطيئة، وأن من حق العالم أن يفتش في جيوبنا وضمائرنا، وربما أحلامنا أيضا.
لقد تحولنا إلى كائنات زجاجية تقيم في بيوت لا ستائر لها. تلاحقنا العيون والعدسات، وتحصي أجهزتنا خطواتنا ونبضاتنا وعاداتنا، وتعرف عنا أشياء قد لا ننتبه إليها في أنفسنا. أما «الأخ الأكبر» الذي حذرنا منه الأدب، فقد تخلص من ملامح الحارس المخيف؛ صار يقيم في هاتف لطيف نحمله إلى أسرّتنا، ونأتمنه على صورنا ورسائلنا وأسرارنا. والأطرف أننا ندفع ثمن الجهاز الذي يساعد على مراقبتنا، ونغضب إذا تأخر تحديثه!
قبل قرون، احتاجت أخبار سقوط الأندلس إلى أسابيع وأشهر كي تعبر المسافات نحو المشرق. وحين مات نابليون منفيا في جزيرة سانت هيلانة عام 1821، استغرق نبأ وفاته قرابة شهرين ليبلغ بريطانيا. أما اليوم، فقد اختفت المسافة بين الحدث ووصول خبره إلينا. أصبح الكوكب الذي يستطيع الضوء الدوران حوله أكثر من سبع مرات في الثانية، بحجم هاتف نستقرئ فيه حياة الآخرين، ونسمح لهم، طوعا أحيانا، باستقراء حياتنا. اتسعت قدرتنا على معرفة العالم، وضاقت قدرتنا على الاختفاء منه.
لطالما سبق الخيال العلم، وفتح له الأبواب المغلقة. ألم يكن «بساط الريح» حلما طائرا قبل ظهور الطائرات والمطارات؟ وربما يأتي يوم نعبر فيه الزمن كما نعبر الحدود. لكن الذين حلموا بالطيران فوق المدن، هل خطر لهم أننا سنصل إلى عصر يستطيع فيه إنسان على الطرف الآخر من الأرض أن يعرف أين نمنا، وماذا اشترينا، ومن نحب، وما الذي أخفيناه عن أقرب الناس إلينا؟ كأن الخيال منحنا أجنحة، ثم نسي أن يترك لنا مكانا نهبط فيه بعيدا عن العيون.
تحضرني حكاية زعيم سأل جلساءه ذات صفاء: من أسعد الناس؟ تسابقوا إلى مدحه، وجعلوا السعادة تتخذ ملامحه، حتى ابتسم بخبث وقال: «أسعد الناس رجل لا يعرفنا ولا نعرفه». يا لها من حكمة تصلح لعصرنا أكثر من عصره! فقد غدت نعمة ألا يعرفك أحد امتيازا نادرا، وصار الإنسان يحتاج إلى شجاعة كي ينفرد بنفسه، وإلى حيلة كي يحتفظ بسر صغير لا يشاركه فيه العالم.
أتذكر عبارة موحية: «لو كانت الأرض مربعة، لوجدنا زاوية للاختباء. لكنها كروية، وعلينا أن نواجه العالم». وأفكر أن مأزق إنسان هذا القرن أشد غرابة؛ فقد جعل الكرة الأرضية كلها في جيبه، ثم اكتشف أنه لا يجد فيها زاوية يأوي إليها بعيدا عن الفضوليين.
ربما يكون أعظم ما نحتاج إليه، وسط هذا الفيض من الضوء، حقنا البسيط في أن نطفئه حين نشاء، ونحتفظ في داخلنا بمكان لا يدخله أحد إلا بإذننا.