اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عبد الفتاح الحايك : القضية الفلسطينية والثوابت السياسية الأردنية في مواجهة التحولات الإقليمية

د. عبد الفتاح الحايك : القضية الفلسطينية والثوابت السياسية الأردنية في مواجهة التحولات الإقليمية
أخبارنا :  

في منطقةٍ تتسارع فيها التحولات السياسية، وتتداخل فيها الصراعات الإقليمية مع المصالح الدولية، تبقى القضية الفلسطينية عنواناً مركزياً للاستقرار في الشرق الأوسط، ويبقى الأردن في قلب معادلة سياسية معقدة، تفرض عليه التعامل مع المتغيرات بحسابات دقيقة، تستند إلى ثوابت وطنية وقومية، وإلى رؤية سياسية تدرك أن أمن الأردن واستقراره يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بمستقبل القضية الفلسطينية، من دون أن يعني ذلك الخلط بين المصالح الوطنية الأردنية والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، فلكل منهما خصوصيته، وكلاهما يتطلب موقفاً مسؤولاً يحمي المستقبل.

لم يكن الموقف الأردني من القضية الفلسطينية وليد الظروف الراهنة، بل هو امتداد لموقف تاريخي يقوم على دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة على ترابه الوطني، وعاصمتها القدس الشرقية، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين، وقد حافظ الأردن على هذا الموقف في مراحل إقليمية شديدة التعقيد، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن السلام الحقيقي لا يُبنى على إدارة الصراع أو تأجيل استحقاقاته، بل على معالجة أسبابه وإنهاء الاحتلال وتحقيق العدالة.

إن القضية الفلسطينية تواجه تحديات تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، لتشمل محاولات تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي، وتوسيع الاستيطان، وتقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة، فضلاً عن الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها الفلسطينيون، ولا سيما في قطاع غزة، وفي ظل هذه الوقائع، تبرز خطورة التعامل مع القضية الفلسطينية بوصفها أزمة إنسانية عابرة يمكن احتواؤها بالمساعدات والإغاثة وحدها، بينما تبقى جذور الصراع من دون حل سياسي عادل.

إن المساعدات الإنسانية، على أهميتها وضرورتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحقوق الوطنية، كما أن وقف التصعيد وحماية المدنيين يجب أن يقترنا بمسار سياسي جاد يفضي إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة، فاستمرار الصراع من دون أفق سياسي واضح يهدد بتوسيع دوائر التوتر، ويضعف فرص الاستقرار، ويجعل المنطقة عرضة لمزيد من الأزمات التي يصعب احتواء آثارها.

ومن هنا، فإن الموقف الأردني الذي يرفض التهجير القسري للفلسطينيين، سواء من قطاع غزة أو الضفة الغربية، لا ينطلق من اعتبارات سياسية آنية فحسب، بل يرتبط بحماية حق الشعب الفلسطيني في البقاء على أرضه، وبالحفاظ على مقومات الدولة الفلسطينية المنشودة، كما يرتبط مباشرة بالأمن الوطني الأردني، الذي لا يمكن فصله عن تداعيات أي محاولات لفرض حلول ديمغرافية على حساب الأردن أو على حساب الحقوق الفلسطينية.

إن القدس تحتل مكانة خاصة في السياسة الأردنية، ليس فقط لما تمثله من قيمة دينية وتاريخية، بل لما تشكله من جوهر للصراع ومفتاح لأي تسوية سياسية عادلة، وتكتسب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس أهمية استثنائية، باعتبارها مسؤولية تاريخية ودينية، وإطاراً لحماية هوية المدينة ومقدساتها في مواجهة محاولات تغيير واقعها أو المساس بمكانتها، وإن حماية القدس يتطلب استمرار العمل القانوني والدبلوماسي، ودعم صمود المقدسيين، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات، فالمدينة التي تتعرض هويتها ومكانتها لضغوط متواصلة لا يمكن أن تكون خارج أي حديث جاد عن السلام، كما لا يمكن تصور تسوية مستدامة تتجاهل مكانتها في الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي والمسيحي.

ومن هذا المنطلق، فإن الدور الأردني في القدس يمثل امتداداً لمسؤولية وطنية وقومية، ويؤكد أن حماية المقدسات ليست مسألة منفصلة عن مستقبل المنطقة، بل جزء من معادلة الاستقرار والحقوق والشرعية الدولية.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك