اسماعيل الشريف : إخراج الولايات المتحدة
أهدافنا لن تقتصر على القواعد الأميركية، فجميع المصالح الأميركية تقع ضمن نطاقنا، وإذا كانت الولايات المتحدة حريصة فعلًا على جنودها، فعليها أن تغادر هذه المنطقة - إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني.
عندما بدأت الحرب الأميركية «الإسرائيلية» على إيران، كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يعقد اجتماعًا داخل مجمّع المرشد الأعلى علي خامنئي. وكان عراقجي قد أمضى الأشهر السابقة في مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني، لكن واشنطن، خلال الأسابيع التي سبقت اندلاع الحرب، نقلت عددًا من أصولها العسكرية إلى مناطق أقرب إلى الخليج العربي، وطالبت إيران بالتخلي عن جميع أنشطة تخصيب اليورانيوم.
وفي الوقت نفسه، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يلمّح علنًا إلى احتمال سعيه إلى إسقاط النظام في ايران. وفيما كان عراقجي في خضمّ إحاطة لكبار المسؤولين حول هذه التطورات، محذرًا من الاحتمال المتزايد لاندلاع الصراع، بدأت القنابل تتساقط.
وكان مجمّع خامنئي أحد أهداف الضربات الأولى، التي أسفرت عن مقتل عدد من كبار المسؤولين، بينهم المرشد الأعلى نفسه. أما عراقجي فقد نجا، وخرج من تحت الأنقاض مصدومًا، وقد غطّاه الغبار والحطام. وبحسب رواية قدّمها في بودكاست إيراني، هرع إلى الشارع، وأوقف سيارة عابرة، وطلب من سائقها أن ينقله إلى وزارة الخارجية.
ومن هناك، حاول التواصل مع أي قائد عسكري تمكّن من الوصول إليه، وبدأ بإجراء اتصالات مع قادة أجانب، وسرعان ما انضم إليه مسؤولون آخرون نجوا من الهجمات.
لم تكن ايران غافلة عن احتمال تعرض قيادتها العليا لضربة من هذا النوع، إذ كانت تتوقع منذ وقت طويل احتمال مقتل خامنئي ونوابه، ولذلك استعدت للتعامل مع تداعيات مثل هذا السيناريو. فقد أمضت الحكومة الجزء الأكبر من عام كامل في تعزيز اللامركزية داخل أجهزتها السياسية والعسكرية، بما يتيح للمحافظين وقادة الجيش في الأقاليم مواصلة عملهم من دون الحاجة إلى تلقي تعليمات مباشرة من القيادة العليا. كما طُلب من كبار المسؤولين تعيين شخصين على الأقل لخلافتهم في حال مقتلهم.
في عددها المقرر صدوره في كانون الأول المقبل، ستنشر مجلة «فورين أفيرز» مقالة مهمة بعنوان «استراتيجية طهران لإخراج الولايات المتحدة من المنطقة». ونظرًا لأهمية هذه المقالة، التي كتبها محمد آية الله تبار، مؤلف كتاب «سياسات الإسلام في إيران»، والأستاذ المشارك في الشؤون الدولية بكلية بوش للحكم، والزميل في معهد بيكر، والباحث غير المقيم في مؤسسة كارنيغي، فقد قمت بترجمتها واختصارها بتصرّف.
بعد سنوات طويلة من العزلة الدولية، وجدت إيران نفسها أمام كابوسها: حرب شاملة مع الولايات المتحدة والكيان، لكنها نجت منها. بل إن طهران، خرجت من الحرب أقوى مما كانت عليه قبل اندلاعها؛ فهي تسيطر على مضيق هرمز، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة، في وقت تتراجع فيه شعبية الحرب. كما أثبتت قواتها قدرتها على إلحاق الضرر بالمصالح الأميركية رغم القصف الشديد الذي تعرضت له.
ومن هنا، يتوقع عدد من أبرز المحللين في العالم أن تواصل إيران نهجها الحالي، في ظل تباهي القيادة الإيرانية بقدرتها على مواجهة الولايات المتحدة والكيان، وخروجها من هذه المواجهة أكثر تشددًا.
ويذهب بعض المحللين إلى أبعد من ذلك، إذ يرون أن إيران قد تنتقل من موقع الرد إلى المبادرة بالهجوم على الولايات المتحدة ودول في المنطقة، في محاولة للسيطرة على القواعد العسكرية الأميركية، مستعينة في ذلك بحلفائها في العراق ولبنان، ولا سيما الحوثيين. وسيظل هدف إيران، في نظر هؤلاء المحللين، جعل الوجود الأميركي في المنطقة مكلفًا ومؤلمًا إلى الحد الذي يدفع واشنطن إلى تقليص حضورها أو الانسحاب منها.
والولايات المتحدة انسحبت فعلًا من العراق. وإذا استطاعت إيران أن تواصل دفع الوجود الأميركي إلى التراجع في المنطقة، فسيعني ذلك أن منطقتنا بدأت تخرج تدريجيًا من العباءة الأميركية، وأن إيران ستبرز قوةً إقليمية لا يمكن للعالم العربي تجاهلها، بل سيكون عليه أن يتعامل معها بوصفها أحد أبرز مراكز القوة في الإقليم.