اسماعيل الشريف : نساء غزة.. حين تحمل النساء الوطن
والدي لم يشعرني أبدًا أنّنا فقراء إلى هذا الحد، وحين مات كانت الحقيقة أكبرَ من أن نتجاهلَها- غسّان كَنَفاني، رواية «جِسر إلى الأبد».
تترأس النساء اليوم نحو ربع أسر قطاع غزة، أي ما يقارب 86,290 أسرة، وهي نسبة تتجاوز ضعف ما كانت عليه قبل الحرب، حين كانت أسرة واحدة فقط من كل تسع أسر تعيلها امرأة. ويستند ذلك إلى مسح أسري أجرته مؤسسة «جراند تروث سوليوشن» والمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في نهاية عام 2025، بتكليف من هيئة الأمم المتحدة للمرأة.
ولا يمكن فصل هذا التحول الجذري عن الفقد الهائل في صفوف الرجال والفتيان، الذين كانوا من أكثر الفئات عرضة للاستهداف خلال الحرب.
ويوضح التقرير أن الوفيات التي جرى التحقق من هوية أصحابها حتى نهاية تموز 2026 تجاوزت ستين ألف حالة، وأن نحو 46 % منها لرجال تتراوح أعمارهم بين 18 و59 عامًا.
وتؤكد التحليلات الإحصائية المستقلة لبيانات الضحايا هذا النمط ذاته؛ إذ تبدأ أعداد الوفيات بين الذكور بالتفوق على نظيرتها بين الإناث منذ سن الثالثة عشرة، وتتسع الفجوة اتساعًا ملحوظًا عند سن التاسعة عشرة، وتستمر في الفئات العمرية المرتبطة عادةً بالخدمة العسكرية، ثم تتقلص لدى الأعمار الأكبر.
ويحتج جيش الاحتلال المجرم بهذه الأرقام للادعاء بأن عملياته استهدفت المقاتلين لا المدنيين. لكن هذه الحجة لا تصمد أمام الوقائع، فليس كل الرجال والفتيان مقاتلين؛ إذ تضم الضحايا آلاف الطلاب والعمال وأصحاب المحال والأعمال التجارية وغيرهم ممن لم يشاركوا في القتال. وفضلًا عن ذلك، فإن شهادات صادرة عن جنود صهاينة أنفسهم تناقض هذه الرواية.
كشف تحقيق استقصائي بثته القناة الإسرائيلية 13 في أيار 2026 عن شهادات لجنود تحدثوا عن أوامر ميدانية قضت بإطلاق النار على الرجال فور رؤيتهم «بغض النظر عن أعمارهم»، بمن فيهم غير المسلحين وكبار السن.
ووثّقت هيئات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، ومنها مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان ولجنة التحقيق الأممية، غارات جوية وعمليات قنص وانتهاكات في مراكز الاحتجاز، ورأت أنها تعكس أنماطًا تتعارض مع أحد المبادئ الأساسية في قانون الحرب، وهو مبدأ التمييز بين المقاتلين والمدنيين، الذي يحصر الاستهداف المشروع في المقاتلين وحدهم.
ولم يقتصر أثر هذا الفقد الفادح على الحزن والمعاناة النفسية، بل أعاد تشكيل واقع الأسر في غزة، كما تُظهر المؤشرات الآتية:
السكن: 68 % من الأسر التي تعيلها نساء بلا مسكن، مقابل 55 % من الأسر التي يعيلها رجال.
النزوح: نزحت الأسر التي تعيلها نساء ثماني مرات في المتوسط، مقابل سبع مرات للأسر التي يعيلها رجال.
الاحتياجات المادية: أفادت 75 % من الأسر التي تعيلها نساء بأن احتياجاتها المادية غير مُلباة، مقابل 67 % من الأسر التي يعيلها رجال.
المساعدات: 18.3 % من الأسر التي تعيلها نساء لم تتلقَّ أي مساعدات، وهي نسبة تزيد على ضعف نظيرتها لدى الأسر التي يعيلها رجال.
الحماية: أبلغت 19 % من النساء المعيلات لأسرهن عن مخاوف تتعلق بالحماية، مقابل 8 % فقط من النساء في الأسر التي يعيلها رجال.
والأكثر قسوة من ذلك أن الأسر التي تعيلها نساء تُعامل كما لو كان يعيلها رجال، فلا تحظى بأي معاملة خاصة عند التسجيل للحصول على المساعدات أو أثناء الانتظار في طوابيرها. فالرجل يُسجَّل شهيدًا في السجلات، بينما تواصل أسرته مواجهة الحياة وكأنه ما زال حاضرًا فيها.
ولا تكتفي هذه الأرقام بسرد قصة الضحايا، بل ترسم صورة مجتمع فقد جزءًا كبيرًا من معيليه ومقدّمي الرعاية فيه، وترك جيلًا من الأطفال ينشأ في كنف أمهات يتحمّلن أعباءً وأحزانًا تفوق في كثير من الأحيان طاقة البشر، في ظل ظروف لا تراعي حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهن.
وتبقى نساء غزة، أمهاتٍ وأخواتٍ، شاهدات على قصة صمود وثبات، يكتبنها كل يوم رغم المعاناة، فنسأل الله أن يكون في عونهن.