د. هبة ابو عبادة : أخطر غياب.. أن تكون حاضرًا
كم مرة جلسنا إلى جوار من نحب، بينما كان شيء آخر يستحوذ على عقولنا؟ كم مرة كنا في اجتماع، لكننا لم نسمع سوى نصف ما قيل؟ وكم مرة تحدث إلينا شخص عن أمر يؤلمه، فأصغينا إليه بأعيننا، بينما كانت أفكارنا في مكان آخر؟ بل كم مرة كنا نحن أنفسنا بحاجة إلى أن يشعر بنا أحد، فوجدنا أمامنا جسدًا حاضرًا، وعقلًا مشغولًا، وقلبًا بعيدًا؟ لعل أخطر أنواع الغياب ليس ألا تكون موجودًا، بل أن تكون موجودًا ولا تكون حاضرًا. فليس كل حضورٍ حضورًا.
قارئنا الكريم، لقد أصبحنا نخلط بين الوجود والحضور. فالوجود مسألة مكان؛ أن تكون في المكان نفسه. أما الحضور فهو مسألة اهتمام؛ أن تمنح من أمامك عقلك وقلبك وانتباهك. فقد يجلس الإنسان أمامك ساعة كاملة، ولا يمنحك منها دقيقة واحدة من حضوره، بينما قد يمنحك آخر دقائق تشعر خلالها أنك مسموع ومفهوم ومرئي. لذلك لا تقاس قيمة اللقاء بطوله، بل بعمق الحضور فيه.
نعيش زمنًا يكثر فيه التواصل ويقل فيه الإصغاء. نتحدث كثيرًا، لكننا لا نفهم دائمًا. نرد بسرعة، لكننا لا نتأمل. ننتظر دورنا في الحديث بدل أن ننصت إلى ما يقوله الآخر فعلًا. وأحيانًا لا نستمع إلى الإنسان، بل إلى ما نريد أن نرد به. حتى الصمت لم يعد يعني الإصغاء. قد يجلس اثنان في المكان نفسه، لكن كل واحد يعيش في عالم مختلف. هاتف يسرق العين، وإشعار يقطع التفكير، وقلق بشأن الغد، ومهمة لم تنجز، ورسالة تنتظر. يصبح الجسد حاضرًا، بينما تتوزع الروح في أماكن أخرى.
لكن المشكلة أعمق من الهاتف. فالتكنولوجيا قد تجعلنا نتهرب من السؤال الأصعب: هل نعرف كيف نحضر للآخر؟ فقد يكون الهاتف بعيدًا، ومع ذلك يكون الإنسان غائبًا؛ منشغلًا بذاته، أو بهمومه، أو بما سيقوله لاحقًا، فلا يسمعك.
إن الأم التي تضع هاتفها جانبًا لتسمع ابنها وهي تنظر إلى عينيه، تقول له: أنت مهم بما يكفي لأن أكون معك الآن. والصديق الذي يصغي دون أن ينتظر دوره في الحديث حاضر. والمدير الذي يرى الإنسان خلف الموظف، فيلاحظ تعبه وصمته وتغيره، حاضر. والمعلم الذي ينتبه إلى الطالب الصامت قبل أن ينتبه إلى علامته، حاضر. والأب الذي يسأل ابنه عن يومه، ثم ينتظر الإجابة، حاضر. الحضور ليس أن تكون قريبًا، بل أن تجعل الآخر يشعر أنك معه.
وهنا تكمن مفارقة مؤلمة في حياتنا: نريد علاقات عميقة، لكننا لا نمنحها انتباهًا. نريد أبناءً يتحدثون إلينا، ثم ننشغل عن حديثهم. نريد أصدقاء صادقين، لكننا لا نصغي حين يتألمون. نريد موظفين منتمين، لكننا لا نرى الإنسان خلف المسمى الوظيفي. ونريد طلابًا شغوفين، ثم نختصرهم في علامات ونتائج.
قارئنا الفاضل، إن الحضور ليس مجاملة، بل احترام. حين تصغي إلى إنسان، فأنت تقول له: ما تقوله يستحق وقتي. وحين تنظر إليه وهو يتحدث، فأنت تمنحه شيئًا نادرًا: انتباهًا غير مقسم. آن لنا أن نطرح سؤالًا مختلفًا: ليس كم من الوقت قضيت مع من أحب، بل كم كنت حاضرًا؟ فقد نقضي ساعات مع أبنائنا دون أن نعرف ما يشغلهم، ونعمل سنوات مع زملائنا دون أن نلاحظ تعب أحدهم، ونعيش بجوار من نحب دون أن نعرف ما يسعده أو يؤلمه.
إن الحضور الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى وقت أطول؛ بل إلى انتباه أعمق، أن تترك ما في يدك عندما يتحدث إليك من يحتاجك، أن تنصت قبل أن تحكم، أن تتأخر في الرد كي تفهم، أن تلاحظ ما لا يقال، لا ما يقال فقط. وبعض الناس لا يريدون حلًا؛ يريدون إنسانًا يبقى معهم للحظة. فقد لا يتذكر الناس كم جلست إلى جوارهم، لكنهم سيتذكرون كيف جعلتهم يشعرون. سيتذكر الابن من ترك كل شيء ليسمعه، والصديق من لم يقاطعه، والطالب المعلم الذي رأى صمته قبل أن يرى علامته.
وفي عالمٍ يزداد اتصالًا بالتقنية، ويزداد في المقابل قطيعةً في الواقع، لعل أعظم ما يمكن أن نستعيده هو قدرتنا على الحضور. بأن نمنح من أمامنا اهتمامًا كاملًا، وإنصاتًا حقيقيًا، وشعورًا بأنه ليس مجرد شخصٍ آخر يعبر في زحام الحياة. فليس كل وجودٍ حضورًا، وليس كل استماعٍ إنصاتًا، وليس كل لقاءٍ تواصلًا. وأحيانًا، لا يكون أخطر غيابٍ نعيشه هو أن نغادر المكان… بل أن نبقى فيه بأجسادنا، بينما يغيب عنا حضورنا الحقيقي.