اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د.فيفي ناصر حجي : العنوان :غزة بلا دواء.. حين يصبح الانتظار تهديدًا للحياة

د.فيفي ناصر حجي : العنوان :غزة بلا دواء.. حين يصبح الانتظار تهديدًا للحياة
أخبارنا :  

د.فيفي ناصر حجي

باحثة بالقضايا الصحية


في غزة، لم يعد المريض ينتظر موعد شفائه، بل ينتظر وصول دوائه. وبينما تتكدس الحاجة في المستشفيات والصيدليات، تبقى شحنات من الأدوية القادمة من مصر عالقة منذ نحو شهرين، وفق إفادات شركات عاملة في توريد الأدوية إلى القطاع، بانتظار السماح بإدخالها. وخلف كل شحنة متوقفة يقف مرضى لا يملكون ترف الانتظار، وعائلات تراقب مخزون الأدوية يتناقص وهي تعرف أن الجرعة التالية قد لا تكون متاحة.


القضية لم تعد مجرد تأخير في حركة الشحن، ولا مشكلة تجارية يمكن حلها في وقت لاحق. عندما تكون الشحنة محمّلة بأدوية للسرطان والقلب والسكري والفشل الكلوي، فإن تأخيرها يتحول إلى قضية تتصل مباشرة بحياة الإنسان. فالمريض الذي يحتاج إلى علاجه بصورة منتظمة لا يستطيع أن ينتظر اكتمال الإجراءات، والجسد الذي أنهكه المرض لا يستطيع أن يتعامل مع الدواء باعتباره سلعة يمكن تأجيل وصولها.


وتؤكد التقارير الإنسانية الدولية استمرار النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية في قطاع غزة، بما في ذلك أدوية السرطان والعلاج الكيميائي ومستلزمات غسيل الكلى والإنسولين، في وقت تواجه فيه الشحنات القادمة عبر الممر المصري قيودًا وإعادات تؤثر في تدفق الإمدادات الصحية.


وتزداد قسوة الصورة عندما نضع الأرقام أمام حجم الاحتياج. فوفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2026، يُقدّر عدد مرضى السرطان في قطاع غزة بما بين 10 آلاف و12 ألف مريض، في ظل نقص شديد في أدوية العلاج الكيميائي وتعطل أجزاء أساسية من خدمات التشخيص والعلاج. هؤلاء المرضى لا ينتظرون سلعة، بل ينتظرون علاجًا يرتبط بقدرتهم على مواجهة مرض خطير، وأي انقطاع طويل في العلاج قد يعني تراجع فرص السيطرة على المرض وارتفاع مخاطر المضاعفات.


وفي الجهة الأخرى من المشهد، يقف مرضى الفشل الكلوي أمام أزمة لا تسمح بالكثير من الوقت. وتشير البيانات الفلسطينية الحديثة إلى نحو 1,100 مريض بالفشل الكلوي في غزة، بينما يتلقى العلاج حاليًا نحو 600 إلى 700 مريض، في وقت يحتاج فيه نحو 700 مريض إلى جلسات غسيل كلى منتظمة ثلاث مرات أسبوعيًا. بالنسبة لهؤلاء، ليست جلسة الغسيل موعدًا يمكن تأجيله، وليست المستلزمات الطبية شيئًا يمكن الاستغناء عنه حتى إشعار آخر.


ولا تقف الأزمة عند السرطان والفشل الكلوي. فهناك نحو 71 ألف مريض بالسكري، و225 ألفًا بارتفاع ضغط الدم، و45 ألفًا بأمراض القلب والأوعية الدموية، وفق بيانات صحية فلسطينية منشورة. أرقام تبدو للوهلة الأولى إحصاءات جامدة، لكنها في الحقيقة تمثل مئات الآلاف من المرضى الذين يعتمد كثير منهم على أدوية يومية ومنتظمة للحفاظ على استقرار حالتهم الصحية.


مريض السكري يحتاج إلى علاجه بصورة مستمرة، ومريض الضغط يحتاج إلى دوائه لتقليل مخاطر المضاعفات، ومريض القلب قد يعتمد على أكثر من علاج للحفاظ على وظائف قلبه. وعندما ينقطع الدواء أو يتأخر، فإن المرض لا يتوقف عن التقدم بانتظار وصول الشحنة؛ بل قد تظهر مضاعفات جديدة تحتاج بدورها إلى رعاية طبية قد تكون غير متاحة أصلًا.


والأشد قسوة أن كثيرًا من المرضى في غزة يواجهون الأزمة في وقت لا يجدون فيه بدائل حقيقية. فالمريض الذي كان يستطيع في ظروف طبيعية مراجعة طبيبه أو التوجه إلى مستشفى آخر أو شراء الدواء من صيدلية مختلفة، أصبح اليوم أمام منظومة صحية محدودة القدرة، ومستشفيات تعمل بإمكانات شحيحة، وطرق وصول مقيدة، ونقص متواصل في الأدوية والمستلزمات. لذلك فإن فقدان الدواء لا يعني فقدان العلاج فقط، بل يعني أحيانًا فقدان البديل أيضًا.


لهذا فإن استمرار منع أو تأخير دخول الأدوية لا يعني بقاء الأزمة الصحية على حالها، بل ينذر بتفاقمها. فكل يوم يمر دون علاج قد يعني تدهور حالة مريض، أو ظهور مضاعفات كان يمكن تجنبها، أو انتقال حالة صحية مستقرة إلى حالة طارئة. وفي نظام صحي يعاني أصلًا من نقص الموارد وتضرر المستشفيات والخدمات الطبية، فإن تراكم هذه الحالات يمكن أن يزيد الضغط على الطواقم الصحية ويرفع مخاطر الوفيات التي كان من الممكن تجنب بعضها لو وصل العلاج في الوقت المناسب.


وتصبح الصورة أكثر إيلامًا عندما تكون الأدوية موجودة بالفعل، لكنها تنتظر العبور. فبحسب إفادات شركات الأدوية، هناك شحنات جاهزة للدخول إلى غزة منذ أسابيع، بينما يثير طول فترة الانتظار مخاوف إضافية بشأن ظروف التخزين، خصوصًا بالنسبة للأدوية التي تحتاج إلى درجات حرارة محددة وسلسلة تبريد مستمرة. وهكذا يصبح الانتظار خطرًا على طرفين في الوقت نفسه: دواء قد تتأثر جودته، ومريض قد تتدهور حالته بسبب غيابه.


وفي غزة، لا يمكن النظر إلى الدواء باعتباره مجرد منتج تجاري. الدواء جزء من منظومة إنقاذ الحياة، ووصوله في الوقت المناسب ضرورة صحية لا تحتمل التأجيل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بأدوية السرطان وغسيل الكلى والإنسولين وأدوية القلب والضغط.


إن استمرار هذه الأزمة يعني أن الفجوة بين المريض والعلاج قد تتسع يومًا بعد يوم، وأن ما يبدأ كنقص في صنف دوائي قد يتحول إلى مضاعفات، ثم إلى حالات حرجة، وربما إلى وفيات كان يمكن تفادي بعضها لو حصل المريض على علاجه في الوقت المناسب. وفي هذه اللحظة، لا يعود السؤال عن عدد الشحنات التي وصلت أو عدد الصناديق التي دخلت، بل عن عدد المرضى الذين تمكنوا فعليًا من الحصول على العلاج الذي يحتاجونه، وعن عدد الذين اضطروا إلى مواجهة مرضهم من دونه.


في النهاية، لا يحتاج مريض غزة إلى وعد بأن الدواء سيصل يومًا ما؛ إنه يحتاج إليه اليوم.


فوراء كل شحنة عالقة مريض ينتظر، ووراء كل علبة دواء عائلة تخشى فقدان أحد أفرادها، ووراء كل يوم تأخير إنسان قد يدفع من صحته وحياته ثمنًا لا يستطيع تحمله.


فالدواء يستطيع أن ينتظر في المخزن، أما المريض فلا يستطيع أن ينتظر إلى ما لا نهاية.


مواضيع قد تهمك