اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

محمد مطلب المجالي : غادرنا مؤتة ولم تغادرنا

محمد مطلب المجالي : غادرنا مؤتة ولم تغادرنا
أخبارنا :  

في لحظة الوداع الأخيرة، لم يكن الأمر مجرد انتهاء خدمة أو مغادرة مكتب، بل كان طي صفحة من العمر كُتبت على مدى أعوام طويلة، شهدت التعب والفرح والنجاح والتحديات، ووجوهًا أصبحت جزءًا من الذاكرة.


دخلنا مؤتة شبابًا، نحمل أحلامنا ونظن أن الطريق طويل، حتى التفتنا ذات يوم إلى الوراء، فإذا بالسنوات قد عبرت بنا سريعًا. دخلناها شبابًا وخرجنا منها كهولًا، وبين البداية والنهاية عمر كامل من العمل والذكريات.


ثم جاءت لحظة الرحيل، فأُغلقت الأبواب وطالت النظرة الأخيرة إلى الممرات والمكاتب، وكأن العين تريد أن تحفظ المكان بكل تفاصيله. مصافحة زميل، وكلمة وداع، والتفاتة أخيرة إلى المكان الذي شهد أجمل سنوات العمر. عندها أدركنا أن الوداع ليس للمكان وحده، بل لأيام كاملة لن تعود.


وفي تلك اللحظة، لم تكن الذاكرة تستحضر الأحياء وحدهم، بل كان للراحلين حضورهم أيضًا. أولئك الذين جمعتنا بهم مؤتة يومًا، وتقاسمنا معهم العمل والخبز والضحكة والتعب، ثم غادروا هذه الدنيا وبقيت سيرتهم بيننا. رحمهم الله جميعًا، فقد غابوا عن المشهد، لكنهم لم يغيبوا عن الذاكرة.


أستحضر رفيقي محمد عبدالحافظ الجعافرة، والأستاذ إبراهيم حامد المبيضين، والأستاذ عبدالقادر عطيوي الضمور، ورائد الجعافرة، والدكتور توفيق الحباشنة، ومحمد أحمد الصرايرة، ومحمد العضايلة، وغيرهم ممن رحلوا وبقيت أسماؤهم في وجداننا. لكل واحد منهم حكاية وموقف وابتسامة وذكرى لا يطويها الزمن.


رحم الله من سبقونا، فقد تركوا لنا ما هو أبقى من حضورهم؛ تركوا ذكرى في النفوس ومحبة لا تحتاج إلى مناسبة كي تعود. وفي كل زاوية من مؤتة قد تلوح لنا ملامح أحدهم، وفي كل ذكرى جميلة مساحة لاسم غاب جسده وبقيت روحه في الذاكرة.


كل المحبة والاحترام لزملائنا وأساتذتنا وطلبتنا، ولكل من شاركنا هذه الرحلة، ولكل حجر وشجر وركن احتفظ بذكرى جميلة. قد تنتهي الخدمة، وقد تُغلق الأبواب، وقد تتباعد الخطى، لكن الوفاء لا ينتهي، وما زرعته مؤتة في أرواحنا لن تمحوه الأيام.


غادرنا مؤتة ولم تغادرنا. ستبقى في القلب جامعة السيف والقلم، ومؤتة الفتح والشهادة، وبوابة الفتح التي احتضنت أجمل سنوات العمر، وستبقى أسماء من أحببناهم حاضرة كلما عادت بنا الذاكرة إلى تلك الأيام.


فالأماكن قد نغادرها، والسنون قد تأخذنا بعيدًا، والوجوه قد تتوارى عن أعيننا، لكن هناك أماكن تسكن فينا إلى الأبد، وهناك رجالٌ يرحلون عن الدنيا ولا يرحلون عن الذاكرة.


وهكذا نغادر مؤتة، لا مودّعينها، بل مودّعين فيها عمرًا من أعمارنا؛ نحمل محبتها معنا، ونترك فيها شيئًا من أرواحنا. وسيبقى بيننا وبينها عهدٌ لا تنقضه المسافات ولا تغيّره السنون: أن تبقى مؤتة في القلب، وأن يبقى من رحلوا في الدعاء والوفاء والذاكرة.


 


 


 

 


مواضيع قد تهمك