د. منذر الحوارات : عند سلم الطائرة.. هل أعادت الصين الشرق إلى مسرح الحضارة؟
عند أسفل سُلّم الطائرة في قاعدة أندروز، وقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزوجته بانتظار الرئيس الصيني شي جين بينغ وزوجته، في مشهد نادر في التقاليد الأميركية، لا يحدث إلا في حالات استثنائية، وما يمنح الصورة معناها أن الضيف ليس رئيس دولة عادية، بل زعيم الصين، الخصم الإستراتيجي الأهم للولايات المتحدة، والدولة التي أمضت عقوداً، بعد قرن الإذلال، تصعد بصمت وصبر وإصرار، حتى أصبح السؤال الأميركي العريض ليس: كيف نمنع صعود الصين؟ بل: كيف نتعامل معه؟
وهنا يطل السؤال الحضاري: هل كانت أميركا ترامب تستقبل شي جين بينغ، أم كانت تستقبل، من خلاله، عودة الصين والشرق إلى مسرح القرار العالمي؟
فالصين التي رأت نفسها يوماً مركزاً للعالم، عاشت حروب الأفيون والتدخل الأجنبي والاحتلال و"قرون الإذلال"، لكن هل أنستها قرون التفوق الغربي كيف تكون قوة عظمى؟ أم أن العالم هو الذي نسي أن الصين كانت إمبراطورية قبل أن تصبح دولة تبحث عن مكان بين القوى الكبرى؟
يبدو أن شيئاً عميقاً بقي حياً في الذاكرة الصينية: إيماناً بأن التراجع كان استثناءً تاريخياً، وأن العودة ممكنة لمن يمتلك الصبر، واللافت أن الصين لم تهزم خصومها في رحلة صعودها، بل امتلكت من الصبر ما مكّنها من استثمار تفوقهم العلمي والتقني وأسواقهم ورؤوس أموالهم في صناعة صعودها.
وحين أدركت واشنطن حجم التحدي، استخدمت التعرفة والعقوبات وقيود التكنولوجيا والرقائق، وأعادت رسم سلاسل التوريد وأقامت شبكة من التحالفات الآسيوية، رفعت هذه السياسات كلفة الصعود الصيني، لكنها لم توقفه، لذلك لا يعني استقبال ترامب لشي اعترافاً بتفوق الصين، فهي لم تتفوق بعد على الولايات المتحدة في مجموع عناصر القوة، لكنه اعتراف بواقع جديد: الصين لم تعد مشكلة يمكن "حلها"، بل قوة كبرى ينبغي التعايش معها وإدارة صعودها.
وهنا يقفز سؤال ثوسيديدس: هل انتهى الخوف التاريخي من القوة الصاعدة؟ وهل أسقطت المصافحة مقولات صراع الحضارات؟
ربما لم يمت ثوسيديدس في قاعدة أندروز، ولم ينته صراع الحضارات بمصافحة رجلين، لكن الطرفين يعرفان أن الحرب بينهما لن تمنح المنتصر عالماً يحكمه، بل ربما عالماً مدمراً، أثينا وإسبرطة لم تتصالحا، أدركتا فقط أن الحرب قد تحرق المدينة التي تتنافسان عليها، والمدينة هذه المرة هي العالم.
لكن ماذا لو كان كل ذلك مجرد إدارة للوقت؟ ترامب لديه إيران والشرق الأوسط وأوكرانيا والاقتصاد الداخلي، وشي لديه تحديات الاقتصاد والتكنولوجيا وتحديث الجيش وتقليل الاعتماد على الغرب، فهل تعلمت القوتان إدارة خلافاتهما، أم تعلمتا إدارة الوقت؟ ماذا لو أراد ترامب هدوء الجبهة الصينية ليتفرغ لجبهاته الأخرى، وأراد شي سنوات إضافية يبني خلالها استقلال الصين الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري؟ عندها لا نكون أمام نهاية لفخ ثوسيديدس، بل أمام هدنة من داخله.
وهنا تحضر المضائق. فالصين استفادت لعقود من نظام بحري وفرت الولايات المتحدة جانباً مهماً من حمايته، ومكّنها من التجارة والتصدير بأمان، واليوم يضر اضطراب هرمز وباب المندب والسويس بمصالحها مباشرة، فكيف إذا امتد الخطر إلى ملقا؟ المفارقة أن بكين تحتاج بحاراً مفتوحة، لكنها تختلف جذرياً مع واشنطن عندما نصل إلى تايوان.
ويمكن اختصار المعضلة بين مضيقين: هرمز يخبرنا لماذا تحتاج أميركا والصين إلى بعضهما، وتايوان يخبرنا لماذا تخشى كل منهما الأخرى.
أما إيران، فالصين لا تريد انهيارها ولا هيمنة أميركية مطلقة على الخليج، لكنها لا تستطيع قبول أن تصبح طهران قادرة على إغلاق شريان تعتمد عليه الصين نفسها، تحتاج إيران سياسياً، لكنها تحتاج هرمز مفتوحاً اقتصادياً، فيما تريد واشنطن نفوذ الصين على طهران من دون منح بكين دوراً موازياً في إدارة أمن الخليج.
وأوروبا تخشى أن تناقش أوكرانيا والتجارة والأمن الدولي على طاولة لا تجلس إليها، أما نحن العرب، فمن هرمز إلى باب المندب والسويس والخليج والطاقة والموانئ، لسنا خارج الصورة، والسؤال ليس هل يصل الصراع إلينا، فهو عندنا أصلاً، بل هل نستطيع تحويل الجغرافيا إلى قوة، أم تبقى بلادنا طرقاً تمتطيها مصالح الآخرين بينما نتفرج؟
وحين نعود إلى المشهد الأول، نجد خلف شي جن بينغ، قرنا من الإذلال وعقوداً من الصعود، وخلف ترامب قرنين من التفوق الغربي؛ وبينهما تايوان وهرمز وإيران وأوكرانيا والرقائق والذكاء الاصطناعي والمصانع وحاملات الطائرات، وكل ما يجعل المصافحة ضرورية ومخيفة في الوقت نفسه.
غادر شي واشنطن وانتهت المراسم، لكن السؤال بقي: هل تعلمت القوة الصاعدة والقوة القائمة كيف تعيشان معاً، أم أجلتا لحظة الاختبار؟ وهل أدار ترامب وشي فخ ثوسيديدس، أم اشتريا بعض الوقت داخله؟
وهل كانت المصافحة عند أسفل سُلّم الطائرة بداية طريقة جديدة لإدارة العالم، أم مجرد صورة جميلة التُقطت بين جولتين من الصراع على من سيقود هذا العالم؟
ــ الغد