الدكتورة دانييلا القرعان : من الصين إلى فرنسا، ومن الولايات المتحدة إلى أوروبا إلى الخليج...
من يقرأ حركة الأردن في الأشهر الأخيرة، يلحظ أنه يتحرك على أكثر من جبهة، وأكثر من اتجاه، بعقلية تدرك بأن حماية الدولة لا تكون بالاعتماد على باب واحد وحليف واحد وحتى خيار واحد.
من الصين إلى فرنسا، ومن الولايات المتحدة إلى أوروبا، ومن الدول العربية إلى القوى الإقليمية والدولية، تبدو الدبلوماسية الأردنية كأنها تعمل على بناء شبكة واسعة من علاقات ومصالح وشراكات جديدة كي تبقيها قادرة على المناورة والحركة وحماية مصالحها في منطقة تتغير خرائطها السياسية والأمنية بسرعة.
في آب الماضي، ذهب جلالة الملك إلى الصين، جرى التأكيد على تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وفتح مجالات أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثماري والتكنولوجي، ولم تكن هذه الزيارة مجرد محطة بروتوكولية؛ إذ شملت المباحثات قطاعات استراتيجية واتفاقيات ومذكرات تفاهم متعددة، وبعد أقل من شهر، يأتي التحرك الى فرنسا، لتشهد زيارة جلالته لباريس توقيع اتفاقية تعاون دفاعي توفر إطاراً شاملاً لتنظيم التعاون الدفاعي بين البلدين، وتبني على التنسيق القائم بينهما في مجال الأمن والاستقرار الإقليمي، وهنا تكمن أهمية قراءة هذه الصورة كاملة، لا قراءة كل زيارة أو اتفاقية بمعزل عن الأخرى، فالأردن اليوم ببساطة يتعامل مع دول كبرى لها مصالحها وقوى دولية متعددة، وإقليم مضطرب، ومع مصالح أردنية يجب حمايتها، هي سياسة تنويع الشراكات، بالنسبة للأردن هي ليست ترفاً دبلوماسياً بل جزء من سياسة الأمن الوطني، فالأردن لا يتحرك من موقع المتلقي للأحداث فقط، بل يحاول أن يكون جزءاً من صناعة الاستقرار الإقليمي، لأنه يعرف أن موقعه الجغرافي يجعله في قلب منطقة تتقاطع فيها أزمات فلسطين وسوريا والعراق ولبنان والبحر الأحمر والخليج، وأي اضطراب في محيطه ينعكس عليه سياسةً وأمناً واقتصاداً، لذا، الحفاظ على الدولة لا يبدأ عندما تصل الأزمة إلى الحدود، إنما تبدأ قبل ذلك بكثير، أي من خلال بناء العلاقات وتنويع الشراكات، وتقوية القوات المسلحة، وتوسيع الحضور الدبلوماسي، وفتح المزيد من قنوات الاتصال مع مختلف القوى.
ليس المطلوب من الأردن أن يختار بين الشرق والغرب، ولا بين الصين وفرنسا وأمريكا، بل أن يعرف كيف يتعامل مع الجميع بما يخدم أمنه ومصالحه، قد يختلف بعضنا في تقييم بعض الخيارات الاقتصادية والسياسية، وهذا طبيعي، لكن قراءة الحركة الأردنية في هذه المرحلة تظهر شيئاً واضحاً وهو أن الدولة لن تجلس في انتظار ما ستفعله المنطقة بها، إنما عليها أن تتحرك وتوسّع من هامش قدراتها لمواجهة ما قد يأتي في عالم لا توجد فيه ضمانات دائمة، حيث تصبح العلاقات الدولية جزءاً من منظومات البقاء، انها فلسفة دولة تعرف طبيعة موقعها، وبأن الحفاظ على النفس يحتاج يقظة دائمة، وحركة مستمرة، وصداقات متعددة، فالقرار الوطني لا ينتظر حتى يأتي آخرون ليقرروه نيابة عن الشعب.