د. لبنى حنا عماري : ماذا لو أصبح لكل سائح أجنبي "توأم رقمي" قبل أن يصل إلى الأردن؟
لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغل قطاع السياحة الأردني هو فقط: كيف نستقطب مزيدًا من السياح؟ بل ربما أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف نفهم السائح قبل أن يصل، ونعرف ما الذي يبحث عنه، وما الذي يمكن أن يجعله يطيل إقامته وينفق بصورة أكبر، ويكتشف أماكن جديدة في الأردن؟ هنا تبرز فكرة قد تبدو للوهلة الأولى مستقبلية، لكنها تستحق أن تتحول إلى مشروع وطني قابل للتطبيق: أن يكون لكل سائح أجنبي "توأم رقمي" قبل وصوله إلى المملكة.
والمقصود بالتوأم الرقمي للسائح ليس نسخة افتراضية من الإنسان، وإنما نموذج ذكي يعتمد على البيانات والذكاء الاصطناعي لفهم تفضيلات الزائر واهتماماته وبناء تجربة سياحية تناسبه. فبدل أن يحصل السائح على قائمة عامة بالأماكن التي يمكن زيارتها، يمكن لنظام ذكي، وبموافقته، أن يتعرف إلى اهتماماته: هل يفضل التاريخ والآثار؟ الطبيعة والمغامرة؟ الطعام المحلي؟ السياحة الدينية؟ السياحة العلاجية؟ الحرف والأسواق الشعبية؟ ثم يبني له برنامجًا سياحيًا شخصيًا يتغير وفق مدة إقامته وميزانيته ووسيلة تنقله واهتماماته.
الأردن يملك المقومات التي تجعل هذه الفكرة ذات قيمة استثنائية. فالسائح الذي يأتي إلى المملكة لا يزور موقعًا واحدًا فقط؛ أمامه البترا ووادي رم والبحر الميت وجرش ومادبا وعجلون والعقبة والمغطس وغيرها من المواقع والتجارب. كما أن الموقع الرسمي لهيئة تنشيط السياحة يعرض بالفعل مجموعة واسعة من الوجهات والتجارب.
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينقل الترويج السياحي الأردني من مرحلة "عرض الخيارات" إلى مرحلة "التنبؤ بالاختيار". فإذا كان لدينا، على سبيل المثال، سائح مهتم بالتاريخ والطعام المحلي ويملك خمسة أيام، فقد يقترح النظام برنامجًا يبدأ في عمّان، ثم جرش ومادبا والبترا، مع تجربة طعام محلية وزيارة مشروع حرفي أو تجربة ريفية في إحدى المحافظات. أما السائح المهتم بالمغامرة والطبيعة، فقد يُقترح له برنامج مختلف يضم وادي رم والعقبة وعجلون ومسارات طبيعية وتجارب محلية. وهكذا لا يصبح الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للإجابة عن أسئلة السائح، بل أداة لصناعة رحلة أكثر ملاءمة له وأكثر فائدة للاقتصاد الأردني.
وهذه الفكرة لا تأتي في فراغ. فالقطاع السياحي الأردني حقق خلال 2025 مؤشرات مهمة؛ إذ أعلنت وزارة السياحة والآثار أن عدد الزوار الدوليين وصل إلى نحو سبعة ملايين زائر، وأن الدخل السياحي بلغ نحو 5.5 مليار دينار، فيما ساهم الدخل السياحي بنحو 13.2% من الناتج المحلي الإجمالي. كما أشارت الوزارة إلى إعداد مشروع استراتيجية قطاعية للسياحة للأعوام 2026–2029 تتضمن 31 مشروعًا استراتيجيًا. وهذه الأرقام تعني أن حجم القطاع أصبح يبرر الانتقال إلى أدوات أكثر تطورًا في إدارة الطلب السياحي وتوجيه الاستثمار.
واللافت أن الأردن بدأ بالفعل خطوة في هذا الاتجاه؛ فقد طرحت وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة مشروعًا رسميًا بعنوان "AI-GIS Geo Analytics for Tourism Demand and Investment Optimization in Jordan"، بهدف توظيف الذكاء الاصطناعي والتحليل الجغرافي في فهم الطلب السياحي وتحسين الاستثمار.
قد يبدو "السائح الرقمي" اليوم فكرة مستقبلية، لكن العالم يتجه بالفعل نحو استخدام التوائم الرقمية في الوجهات السياحية لمحاكاة حركة الزوار وتحسين إدارة الوجهات والاستدامة، وتشير الأدبيات العلمية الحديثة إلى أن هذه التطبيقات ما تزال مجالًا ناشئًا يحمل إمكانات كبيرة في إدارة السياحة.
ولذلك، ربما حان الوقت لكي نطرح على أنفسنا سؤالًا مختلفًا: ماذا لو لم ننتظر وصول السائح إلى الأردن حتى نبدأ في خدمته؟ ماذا لو بدأ الأردن في التعرف إلى احتياجاته قبل أن يصعد إلى الطائرة؟ وماذا لو أصبح لكل سائح "توأم رقمي" يساعده على اكتشاف الأردن الذي يناسبه، ويساعد الأردن في المقابل على توزيع السياحة والاستثمار والدخل بصورة أكثر ذكاءً وعدالة؟
عندها لن يكون الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة في قطاع السياحة، بل يمكن أن يصبح وسيلة لإعادة تعريف العلاقة بين السائح والوجهة، وبين التكنولوجيا والاقتصاد المحلي. وربما يكون التحدي الحقيقي أمام الأردن في المرحلة المقبلة ليس أن يأتي السائح إلى المملكة فحسب، وإنما أن نجعل كل سائح يأتي إليها يكتشف المزيد، ويبقى مدة أطول، وينفق بصورة أكبر، ويغادر وهو يحمل معه تجربة أردنية يصعب نسيانها.