د. بركات النمر العبادي : الصحافة بين حرية الرأي ومقتضيات الأمن الوطني
في الدول التي تعرف معنى الدولة، لا تكون الحرية نقيضاً للأمن، كما لا يكون الأمن خصماً للحرية. كلاهما وجهان لعقد اجتماعي واحد: حرية الإنسان في التعبير، وحق الدولة والمجتمع في البقاء آمناً مستقراً. والمشكلة تبدأ حين يتحول أحدهما إلى ذريعة لإلغاء الآخر.
ومن هنا تأتي أهمية الدعوة الأخيرة إلى عدم نشر المعلومات المتعلقة بالتعيينات والتنقلات والإحالات على التقاعد في القوات المسلحة ، وما رافقها من موقف نقابة الصحفيين الداعي إلى الموازنة بين حق الجمهور في المعرفة ومتطلبات الأمن الوطني.
هذه المسألة تستحق نقاشاً أعمق من مجرد السؤال: هل يجوز النشر أم لا؟
السؤال الأهم هو: متى تصبح المعلومة حقاً عاماً ، ومتى تتحول إلى عبء على المصلحة العامة؟
الفكر المحافظ، في جوهره، لا ينظر إلى الحرية باعتبارها انفلاتاً من كل قي ، بل باعتبارها مسؤولية أخلاقية واجتماعية. فالحرية التي لا ترى نتائج أفعالها قد تتحول، من حيث لا تقصد، إلى تهديد للحرية نفسها. والدولة التي تفقد أمنها واستقرارها لا تستطيع أن توفر للمواطن لا حرية ولا كرامة ولا قانوناً.
ولذلك فإن القول إن المعلومة متاحة في المصادر المفتوحة لا يعني بالضرورة أن إعادة نشرها بكل تفاصيلها تصبح عملاً محايداً ، ففي العصر الرقمي لم تعد المعلومة المنفردة هي المشكلة دائماً؛ فقد تكون الخطورة في جمع عشرات المعلومات الصغيرة وربطها وتحليلها حتى تنتج صورة لم يكن أي مصدر منفرد يقصد كشفها.
وهنا تبرز مسؤولية الصحافة الحديثة بصورة أكبر ، فالصحفي ليس مجرد ناقل لما يستطيع الوصول إليه، وإنما هو أيضاً صاحب تقدير مهني وأخلاقي لما ينبغي أن يصل إلى الجمهور. وبين «أستطيع أن أنشر» و«ينبغي أن أنشر» مسافة واسعة، هي في الحقيقة مساحة المسؤولية الصحفية.
لكن ذلك لا ينبغي أن يقود إلى الطرف الآخر: تحويل مقتضيات الأمن الوطني إلى مظلة واسعة لحجب كل معلومة تتصل بالمؤسسات العسكرية والأمنية، فالجيش مؤسسة وطنية، والمسؤول العسكري شخصية عامة عندما يتعلق الأمر بموقعه العام أو قرارات التعيين التي تمس الشأن الوطني.
ومن حق المجتمع أن يعرف ما يخص إدارة مؤسسات دولته، ما دام النشر لا يكشف معلومات عملياتية أو أمنية أو شخصية يمكن أن تعرض الأفراد والمؤسسات للخطر.
الأمن الوطني ليس سراً مطلقاً ، كما أن الشفافية ليست كشفاً مطلقاً. وهذه هي المنطقة الدقيقة التي ينبغي أن تتحرك فيها الصحافة المسؤولة.
إن الدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية أسرارها ، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء الثقة مع مواطنيها ، والثقة لا تُبنى بالصمت الدائم ، بل بالوضوح حين يكون الوضوح ممكناً ، وبالتحفظ حين يكون التحفظ ضرورة.
ومن منظور محافظ أردني ، فإن المسألة تأخذ بعداً إضافياً ، فالأردن ليس دولة تعيش في بيئة جيوسياسية عادية ؛ بل دولة ارتبط أمنها واستقرارها تاريخياً بقدرتها على إدارة التوازنات الدقيقة وحماية مؤسساتها الوطنية. ولذلك فإن التعامل مع المعلومات المتعلقة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية ينبغي أن ينطلق من حس الدولة لا من منطق الإثارة الإعلامية ، كما ينبغي أن ينطلق احترام الصحافة من ثقة الدولة بالإعلام الوطني لا من الشك فيه. لهذا تعد المحافظة الحقيقية لا تعني الخوف من الحرية ، وإنما تعني حماية النظام العام والقيم والمؤسسات التي تجعل الحرية ممكنة ومستدامة.
وفي المقابل ، فإن حرية الصحافة الحقيقية لا تعني أن تكون الصحافة في مواجهة الدولة ، وإنما أن تكون جزءاً من منظومة الرقابة المجتمعية عليها ، مع إدراك أن هناك لحظات يصبح فيها الامتناع عن نشر بعض التفاصيل شكلاً من أشكال المسؤولية الوطنية ، لا تراجعاً عن الحرية.
ولذلك ربما نحتاج اليوم إلى قاعدة أكثر نضجاً من مجرد «النشر أو عدم النشر» : انشر ما يخدم حق المجتمع في المعرفة ، واحجب ما يمكن أن يضر بأمنه ، واسأل دائماً قبل النشر : ما القيمة العامة التي سيضيفها هذا التفصيل ؟ وما الضرر الذي يمكن أن يترتب عليه؟
تلك ليست دعوة إلى صحافة صامتة، ولا إلى دولة مغلقة.
إنها دعوة إلى صحافة تعرف حدود مسؤوليتها ، ودولة تعرف حدود سلطتها ، ومجتمع يدرك أن الأمن والحرية ليسا عدوين ، بل شرطين متلازمين لاستمرار الدولة.
وفي النهاية، فإن الدولة التي تريد صحافة مسؤولة عليها أن تمنحها مساحة حقيقية للمعرفة والنقد، والصحافة التي تريد حرية حقيقية عليها أن تدرك أن بعض الأبواب لا تُغلق خوفاً من الحقيقة، وإنما حمايةً لحقيقة أكبر: أن تبقى الدولة آمنة، ومؤسساتها قوية، ومجتمعها متماسكاً، وحرية مواطنيها مصونة.
حمى الله الاردن وقيادته الهاشمية من كل كريهة