د. عبد الفتاح الدرادكة : من وراء إفساد الاخلاق؟
إذا عدنا إلى ما وصلنا من صور ورسومات ومنحوتات الحضارات القديمة، سنجد أن اللباس، رغم اختلاف أشكاله وألوانه، كان في الغالب يؤدي وظيفة أساسية: ستر الجسد. وكان التفنن في الملابس منصبًّا على نوع القماش، وطريقة التصميم، واتساع الثوب وطوله، والزينة التي ترافقه، لا على كشف الجسد وتحويله إلى وسيلة للإثارة.
وحتى عند النظر إلى تاريخ المجتمعات الأوروبية، نجد أن الاحتشام كان حاضرًا في مراحل طويلة من تاريخها، وكانت الملابس أكثر اتساعًا وستراً مما نراه اليوم. أما التحول الكبير الذي شهدته المجتمعات الحديثة، وخصوصًا خلال القرن العشرين، فلم يكن مجرد تغير في شكل الثياب، بل كان تحولًا في منظومة القيم والنظرة إلى الإنسان والجسد والعلاقة بين الجنسين.
فمن يقف وراء هذا التحول؟ ومن المستفيد من تحويل الجسد إلى سلعة، والجنس إلى مادة تجارية، والإثارة إلى وسيلة لجذب المشاهد والمستهلك؟
من المؤكد أن هناك منظومة اقتصادية وإعلامية وثقافية ضخمة وجدت أن من مصلحتها توظيف الإثارة وكسر الحواجز الأخلاقية والاجتماعية لتحقيق مكاسب تجارية ونفوذ ثقافي. والنتيجة التي نشاهدها اليوم واضحة: تراجع حضور القيم الأخلاقية والحياء في قطاعات واسعة من الإعلام والإعلان وصناعة الأزياء والترفيه.
لقد أدركت هذه المنظومات أن ضرب القيم والأخلاق من أخطر الوسائل لإضعاف المجتمعات؛ فالأمم لا تقوم بالاقتصاد والقوة وحدهما، وإنما تقوم أيضًا بمنظومة من القيم التي تحفظ تماسكها وهويتها. وصدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وهكذا عكفت تلك المنظومات على تحقيق المكاسب التجارية من خلال توظيف الإثارة في تصميم الملابس، والإعلانات، والأفلام، والمجلات، والمحتوى الرقمي، وحتى بعض البرامج التلفزيونية. وحين تصبح الإثارة وسيلة للربح، يصبح من الطبيعي أن تتسابق بعض الصناعات على كسر الحدود الاجتماعية والأخلاقية، وصولًا إلى جعل ما كان مستهجنًا بالأمس أمرًا عاديًا اليوم.
والسؤال الأهم: لماذا يتجه هذا الخطاب بصورة متزايدة إلى المجتمعات العربية والإسلامية؟
لقد كان الاحتشام جزءًا من منظومة القيم العربية قبل الإسلام، ثم جاء الإسلام فعزز قيم العفة وغض البصر وصيانة الكرامة الإنسانية. قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع قطعة قماش، وإنما مع منظومة قيم كاملة: ماذا نريد لأبنائنا أن يروا؟ وماذا نريد أن يصبح طبيعيًا في مجتمعاتنا؟ وهل نترك السوق والإعلام وحدهما يحددان لنا معنى الجمال والحرية والتقدم؟
ومن اللافت أن قصة قديمة وردت في كتب الأدب تكشف مكانة «غض البصر» في الوعي العربي. فقد روي أن امرأة مرّت بمجلس من بني نمير، فأطال بعضهم النظر إليها، فقالت لهم: «يا بني نمير، لا قول الله سمعتم ولا قول الشاعر أطعتم»، ثم ذكّرتهم بقول الله تعالى في غض البصر، وببيت جرير الذي هجا به بني نمير:
فغضَّ الطرفَ إنك من نميرٍ
فلا كعبًا بلغتَ ولا كلابا
وهذه الرواية، بصرف النظر عن تفاصيلها الأدبية، تكشف كيف كانت الكلمة الأخلاقية والشعرية قادرة على ردع السلوك الاجتماعي، وكيف كان المجتمع يعتبر النظرة نفسها قضية تستحق اللوم، وكيف كانت سمعة القبيلة وقيمها تمثل رادعًا اجتماعيًا له وزنه.
إن أخطر ما في التعري والإثارة المستمرة ليس أن نرى ملابس أقصر أو أكثر كشفًا فحسب، وإنما أن يتحول ما كان مستهجنًا بالأمس إلى أمر عادي اليوم، ثم يصبح بعد ذلك معيارًا للجمال والحرية والتقدم.
نحن بحاجة إلى مراجعة هادئة وشجاعة؛ لا إلى قمع الناس، ولا إلى مطاردة الموضة، وإنما إلى إعادة الاعتبار للقيم، وإلى تربية الإنسان على أن الجسد ليس سلعة، وأن الحرية لا تعني التخلي عن الحياء، وأن التقدم لا يقاس بمقدار ما نكشفه، بل بمقدار ما نبنيه من علم وأخلاق وإنتاج وكرامة.
فإذا كان السؤال: «من وراء افساد الاخلاق؟» فإن جزءًا من الإجابة يكمن في منظومة عالمية حولت الإثارة إلى تجارة، ووظفتها أحيانًا لإفساد الذوق العام وإلهاء المجتمعات عن قضاياها المصيرية، من خلال توجيه الاهتمام نحو الملذات والفسوق والمجون، والترويج لأنماط وقيم تتعارض مع منظومات دينية وأخلاقية راسخة في مجتمعاتنا.
ولا يمكن تجاهل ما نشهده من محاولات لفرض بعض القضايا الاجتماعية والأخلاقية، ومنها شرعنة المثلية الجنسية في بعض المجتمعات الغربية، وتقديمها بوصفها نموذجًا ينبغي تعميمه عالميًا. ومن منظور المجتمعات الإسلامية المحافظة، فإن محاولة فرض مثل هذه القيم عليها تمثل تحديًا مباشرًا لمنظومتها الدينية والأخلاقية والثقافية، وتستدعي منها التمسك بحقها في حماية هويتها وقيمها.
وإذا كانت هناك قوى ومشاريع دولية وإقليمية تتنافس على النفوذ في منطقتنا، فإن إضعاف المجتمعات العربية وتمزيقها وإشغالها عن قضاياها الكبرى لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل يمكن أن يتحقق أيضًا بإضعاف منظومة القيم التي تحفظ تماسكها، وإغراقها في الاستهلاك والصراعات والملذات، بحيث تفقد قدرتها على بناء مشروعها الحضاري والدفاع عن مصالحها.
أما الجزء الآخر من الإجابة فهو فينا نحن؛ حين نقبل، ونقلد، ونستهلك، ونعتبر كل جديد تقدمًا لمجرد أنه جديد، أو نقلد ونستهلك على العمياء، غير آبهين بما قد تحمله بعض العادات والأنماط الوافدة من آثار على قيمنا وهويتنا ومستقبل أبنائنا.
إن مواجهة هذا الواقع لا تكون بالرفض الأعمى لكل ما يأتي من الخارج، ولا بالانغلاق عن العالم، وإنما بامتلاك الوعي والقدرة على التمييز بين ما ينفعنا وما يضرنا، وبين التطور الحقيقي الذي يرفع الإنسان، والتغيير الذي يحوّله إلى مستهلك أسير للرغبة والإثارة.
وفي الختام، فإن العودة إلى القيم ليست عودة إلى الماضي، بل حماية للمستقبل؛ لأن المجتمع الذي يفقد أخلاقه وقيمه قد يمتلك المال والقوة والتكنولوجيا، لكنه يفقد البوصلة التي تقوده إلى أين يريد أن يصل.
والله من وراء القصد.