اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ. د. مصطفى محمد عيروط : مسارات التوجيهي أمام امتحان النجاح الحقيقي.. هل نجحت الخطة أم آن أوان للمراجعة؟

أ. د. مصطفى محمد عيروط : مسارات التوجيهي أمام امتحان النجاح الحقيقي.. هل نجحت الخطة أم آن أوان للمراجعة؟
أخبارنا :  

ليس كل قرار تربوي جديد يعني بالضرورة أنه قرار ناجح، وليس كل تراجع عن قرار سابق يعني فشلًا أو ضعفًا.

هذه قاعدة ينبغي أن ندركها ونحن نناقش واحدة من أهم القضايا التي تمس كل بيت أردني: نظام الثانوية العامة ومسارات التوجيهي ومستقبل أبنائنا وبناتنا.

فالتعليم عالميا كما نتابع ليس حقلًا للتجارب السريعة، والطالب ليس رقمًا في جدول، والأسرة ليست طرفًا هامشيًا في قرار يتعلق بمستقبل أبنائها.


والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم في رأيي كمتابع يومي بكل صراحة وموضوعية هو:

هل نجحت حتى الآن خطة مسارات التوجيهي في تحقيق الأهداف التي وضعت من أجلها؟ أم أننا بحاجة إلى مراجعة شاملة للتجربة قبل أن تصبح أكثر تعقيدًا؟


لا أطرح هذا السؤال رفضًا للتطوير والتحديث، بل على العكس تمامًا؛ لأنني أؤمن بأن الدوله التي تريد تعليمًا متقدمًا هي الدولة التي تراجع قراراتها باستمرار، وتقيس نتائجها، وتستمع إلى الميدان والمجتمع، ولا تتردد في تعديل أي مسار إذا أثبتت التجربة أنه يحتاج إلى تعديل.


أولًا: ما قواعد نجاح التخطيط التربوي؟

أي خطة تربوية ناجحة في العالم لا تبدأ بالقرار، وإنما تبدأ بالسؤال والدراسة.

ومن أهم قواعد التخطيط التربوي الناجح التي ندرسها في مادة التخطيط التربوي لطلبة الماجستير


1. تحديد المشكلة بدقة.

قبل تغيير نظام الثانوية العامة يجب أن نحدد: ما المشكلة التي نريد علاجها؟ هل هي ارتفاع البطالة؟ ضعف التحصيل؟ كثرة المواد؟ ضغط الامتحان؟ عدم مواءمة التعليم مع سوق العمل؟ أم مشكلة القبول الجامعي؟

لأن علاج مشكلة غير محددة قد يؤدي إلى صنع مشكلات جديدة.


2. وجود دراسات علمية وبيانات.

لا يكفي أن نقول إن النظام القديم يحتاج إلى تطوير؛ بل يجب أن نعرف بالأرقام ماذا حقق النظام القديم، وأين أخفق، وماذا سيضيف النظام الجديد.


3. دراسة البدائل.

التخطيط الحقيقي لا يقول: هذا هو الحل الوحيد.

بل يقول: درسنا ثلاثة أو أربعة بدائل، وقارنّا بينها، وهذا البديل هو الأفضل للأسباب التالية.


4. مشاركة أصحاب المصلحة.

الطالب، وولي الأمر، والمعلم، ومدير المدرسة، والجامعات، وأصحاب العمل، والخبراء، والمجتمع المدني، جميعهم أطراف في العملية التعليمية.

ومن الصعب نجاح إصلاح تربوي واسع إذا شعر المجتمع أنه تلقاه كأمر واقع.


5. التجريب قبل التعميم.

الإصلاحات الكبرى تحتاج إلى مراحل تجريبية وقياس للنتائج قبل تعميمها على أجيال كاملة.


6. العدالة وتكافؤ الفرص.

أي معيار يؤدي إلى تحديد مستقبل الطالب يجب أن يكون عادلًا وقابلًا للتطبيق على جميع الطلبة، وأن يأخذ في الاعتبار اختلاف المدارس والبيئات التعليمية والإمكانات.


وهذا تحديدًا كان من المخاوف التي أثارتها لجنة التربية النيابية عند مناقشة احتساب العلامات المدرسية في توزيع الطلبة على الحقول.


7. وجود مؤشرات واضحة للنجاح.

فكيف نعرف أن مسارات التوجيهي نجحت؟

هل بنسبة النجاح فقط؟

أم بمعدلات الطلبة؟

أم بقدرتهم على الالتحاق بالتخصصات التي يرغبون بها؟

أم بنسبة تشغيلهم بعد الجامعة؟

أم برضا الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين؟

النجاح الحقيقي يجب أن يُقاس بكل هذه المؤشرات، وليس بمؤشر واحد.


ثانيًا: ماذا تقول الأرقام عن التجربة الأردنية حتى الآن؟



فقد أعلنت وزارة التربية والتعليم في نتائج الثانوية العامة لعام 2026 أن نسبة النجاح العامة بلغت 65.3%، وأن هذه الدورة شهدت تخريج أول فوج وفق الخطة الجديدة التي توزع العبء الدراسي على عامين، كما أعلنت الوزارة نسب النجاح والمعدلات.

وهذه مؤشرات تستحق الدراسة، ولا يجوز تجاهلها.

لكن في الوقت نفسه، ارتفاع نسبة النجاح لا يكفي وحده لإصدار شهادة نجاح نهائية للنظام.

فالخطة التربوية لا تُقاس فقط بعدد الناجحين، وإنما بالسؤال الأهم:

هل أصبح الطالب أكثر قدرة على اختيار مستقبله؟ وهل أصبح النظام أكثر عدالة؟ وهل أصبح الانتقال إلى الجامعة وسوق العمل أكثر وضوحًا؟

وهنا لا بد من الانتظار، وجمع البيانات، ومتابعة الخريجين، وقياس النتائج لعدة سنوات.


ثالثًا: ردود الفعل المجتمعية جزء من عملية التقييم

خلال الأسابيع الأخيرة شهدنا نقاشًا واسعًا حول نظام المسارات والحقول، إلى درجة أن وزارة التربية أعلنت في 24 آب 2026 أن توزيع طلبة الصف الثاني عشر على الحقول سيكون وفق الرغبة، دون تحديد نسبة 30% كحد أعلى لكل حقل.


وهذا بحد ذاته درس مهم في التخطيط:

الخطة الجيدة ليست الخطة التي لا تتغير، وإنما الخطة التي تستطيع أن تستجيب للواقع عندما تظهر نتائج أو ملاحظات جديدة.


وقد أكد مجلس التربية والتعليم في وقت سابق أن تعديلات الخطة الدراسية للثانوية العامة جاءت أيضًا بناءً على التغذية الراجعة من الميدان وآراء المختصين والخبراء، وشملت تقليص عدد الحقول من ستة إلى أربعة.


إذن، التعديل ليس عيبًا.

بل العيب أن نكتشف وجود مشكلة ثم نرفض الاعتراف بها.


رابعًا: هل العودة إلى التوجيهي العلمي والأدبي والمهني تعني التراجع؟

هنا يجب أن يكون النقاش علميًا وليس عاطفيًا.

هناك مطالبات مجتمعية بإعادة النظام المعروف بتقسيماته: العلمي والأدبي والمهني.

ولا يجوز رفض هذه المطالبات لمجرد أنها دعوة للعودة إلى نظام سابق.

وفي المقابل، لا يجوز أيضًا العودة إليه لمجرد أن الناس تطالب به.

المطلوب هو دراسة مقارنة علمية:

ماذا حقق نظام العلمي والأدبي والمهني؟

وماذا حقق نظام المسارات والحقول؟

أي النظامين أكثر عدالة؟

أي النظامين يحقق رغبات الطلبة؟

أي النظامين ينسجم مع الجامعات؟

أي النظامين يخدم سوق العمل؟

أي النظامين يقلل الفجوة بين التعليم والتوظيف؟

ثم يؤخذ القرار.

إذا أثبتت الدراسات أن النظام القديم أفضل، فليكن الرجوع إليه قرارًا شجاعًا.

وإذا أثبتت الدراسات أن نظام المسارات أفضل، فليستمر مع تصحيح الأخطاء.

المعيار ليس اسم النظام، وإنما مصلحة الطالب والوطن.


خامسًا: العالم لا يعتبر التراجع عن الإصلاح فشلًا

من أهم الأمثلة الحديثة نيوزيلندا.

فقد قامت الحكومة بإعادة النظر في برنامج إصلاح شهادة الثانوية العامة NCEA، وأعلنت في 2024 إعادة جدولة تنفيذ أجزاء أساسية منه لمدة عامين، بعدما تبين وجود مشكلات في جاهزية المدارس وتسلسل عملية الإصلاح.

والأهم أن نيوزيلندا لم تتوقف عند التأجيل.

في 2026 أعلنت الحكومة التوجه إلى استبدال NCEA نفسه بنظام جديد، بعد مراجعات ومشاورات واسعة، مشيرة إلى أن الأدلة الوطنية والدولية أظهرت أن النظام لم يعد يعمل بالمستوى المطلوب.

وفي عملية التشاور السابقة تلقّت الحكومة أكثر من 8,200 مشاركة من مختلف الأطراف، بما في ذلك قطاع التعليم وأولياء الأمور والمجتمع.

وهذا مثال بالغ الأهمية:

دولة متقدمة لم تعتبر مراجعة نظامها الوطني للثانوية العامة هزيمة، بل اعتبرتها جزءًا من الإدارة الرشيدة للتعليم.

بل إن مسار الإصلاح في نيوزيلندا نفسه لم يكن خطًا مستقيمًا؛ فقد جرى تعديل المواعيد، وتأجيل بعض المراحل، ثم الانتقال لاحقًا إلى مقترح استبدال النظام بنظام جديد.

وهذا هو معنى الدولة القوية:

لا تخاف من المراجعة، ولا تعتبر الاعتراف بالخطأ ضعفًا.


سادسًا: لا يجوز أن يصبح الطالب ضحية للاستقرار الشكلي

أخطر ما يمكن أن يحدث في الإصلاحات التعليمية هو أن يصبح الحفاظ على القرار أهم من الحفاظ على مصلحة الطالب.

فالطالب له عمر محدد.

إذا أخطأنا في خطة مدرسية يمكن تعديلها، أما إذا أخطأنا في تحديد مساره التعليمي فقد ندفع الطالب إلى تخصص لا يريده، أو نحرم طالبًا من تخصص يحلم به، أو نضع الأسرة أمام خيارات لم تكن مستعدة لها.

ولذلك فإن أي نظام جديد يجب أن يضمن:

حرية الاختيار قدر الإمكان.

إمكانية الانتقال بين المسارات بضوابط عادلة.

عدم إغلاق أبواب التعليم الجامعي أمام الطالب.

إرشادًا مهنيًا وأكاديميًا حقيقيًا.

مواءمة واضحة بين الثانوية والقبول الجامعي.

ربطًا حقيقيًا بين التعليم المهني وسوق العمل.

مراجعة دورية معلنة للنتائج.


سابعًا: المطلوب الآن ليس صراعًا بين القديم والجديد

ليس المطلوب أن نقول:

قديم = جيد، وجديد = سيئ.

ولا أن نقول:

جديد = تطوير، وقديم = تخلف.

هذه ثنائية خاطئة.

التعليم لا يتطور بهذه الطريقة.

المطلوب أن نقول في رأيي وان أخطأت فاعتذر ومن يعمل يخطىء:

نأخذ من القديم ما ثبت نجاحه، ومن الجديد ما ثبت نجاحه، ونبني نظامًا تعليميا أردنيًا أكثر عدالة واستقرارًا ووضوحًا.


نحن في رأيي وقد أكون مخطئأ فاعتذر مره اخرى نحتاج إلى نموذج أردني يستند إلى خبراتنا واحتياجات أبنائنا وقدرات مدارسنا وجامعاتنا وسوق العمل لدينا.


ثامنًا: أقترح بتقييم وطني مستقل لمسارات التوجيهي

آن الأوان، في رأيي، لإجراء تقييم وطني شامل ومستقل لنظام المسارات والحقول.

ويجب في رأيي أن يجيب التقييم عن أسئلة واضحة:

ما الأهداف التي وضعت من أجلها المسارات؟

ما الذي تحقق منها؟

ما الذي لم يتحقق؟

ما أثرها على العدالة وتكافؤ الفرص؟

ما أثرها على الطلبة في المحافظات والمدارس المختلفة؟

ما أثرها على القبول الجامعي؟

ما أثرها على اختيار التخصصات؟

ما نسبة رضا الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين؟

ما نسبة الطلبة الذين اختاروا مساراتهم وفق رغباتهم الحقيقية؟

وما نسبة الخريجين الذين حصلوا على فرص عمل تتناسب مع تعليمهم؟

ثم تُعلن النتائج للرأي العام.

فالتعليم شأن عام، وليس ملفًا إداريًا مغلقًا.

الخلاصة: الحكومه القوية هي التي تملك شجاعة المراجعة

نحن مع التطوير والتحديث.

ونحن مع المسارات المهنية والتقنية.

ونحن مع ربط التعليم بسوق العمل.

ونحن مع تخفيف العبء عن الطالب.

لكننا أيضًا مع العدالة والاستقرار وحرية الاختيار في التعليم كمبدأ من مبادىء حقوق الإنسان والدستور وحق المجتمع في المعرفة والمشاركة.

ولذلك فإن السؤال اليوم ليس:

هل نتمسك بمسارات التوجيهي أم نعيد العلمي والأدبي والمهني؟

السؤال الأعمق هو:

أي نظام يحقق لأبنائنا تعليمًا أفضل وعدالة أكبر ومستقبلًا أوضح؟

فإذا أثبتت التجربة أن المسارات تحقق هذه الأهداف، فلنستمر بها ونطورها.

وإذا أثبتت التجربة أنها تحتاج إلى تعديل، فلنعدلها.

وإذا أثبتت الدراسات أن العودة إلى نظام سابق، أو بناء نظام هجين يجمع مزايا القديم والجديد، هو الأفضل، فلا ينبغي أن نخشى من ذلك.

إن قوة الحكومه لا تقاس بقدرتها على إصدار القرار فقط، وإنما بقدرتها على مراجعة القرار عندما تظهر نتائج جديدة.

والتراجع عن خطة ثبت عدم ملاءمتها ليس هزيمة.

الهزيمة الحقيقية كما هو معروف عالميا في الاداره أن نعرف أن الخطة تحتاج إلى مراجعة، ثم نرفض مراجعتها خوفًا من الاعتراف بأن التجربة تحتاج إلى تصحيح.

والأردن الذي نريده كما كان وسيبقى قويًا ومتقدمًا قادر على أن تقول الحكومه فيه :

جرّبنا، وقَيّمنا، واستمعنا، ثم صححنا المسار.

وهذه ليست عودة إلى الوراء.

هذه هي عين التقدم.والتطور والتحديث فنحن مع وطننا الذي تنعم فيه بالأمن والاستقرار والانجازات في ظل قيادتنا الهاشميه التاريخيه بقيادة جلالة سيدنا الملك عبد الله الثاني المعظم

للحديث بقيه

مصطفى محمد عيروط


مواضيع قد تهمك