اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ. د. مصطفى محمد عيروط : متى يكون التغيير الإداري الجذري مطلوباً عالمياً؟ (1)

أ. د. مصطفى محمد عيروط : متى يكون التغيير الإداري الجذري مطلوباً عالمياً؟ (1)
أخبارنا :  

التغيير الإداري الجذري في المؤسسات الخاصه ليس ترفاً إدارياً، وليس عقوبة للمديرين، وليس مجرد استبدال أسماء بأسماء؛ بل هو في كثير من الأحيان قرار إنقاذ تتخذه المؤسسات الخاصه الناجحة عندما تدرك أن استمرار الإدارة بالأسلوب نفسه قد يقود المؤسسة إلى الخسارة أو الانهيار.

وفي عالم الأعمال، هناك قاعدة تكاد تكون عالمية:

الإدارة الناجحة لا تنتظر سقوط المؤسسة حتى تتحرك، وإنما تلتقط إشارات الخطر وهي في بدايتها.

فمتى يجب أن تسأل المؤسسة نفسها: هل نحتاج إلى تغيير إداري جذري؟

عندما تبدأ المبيعات بالتراجع، أو تتكرر شكاوى المستهلكين، أو تنخفض جودة المنتج، أو تفشل المنتجات الجديدة، أو يصبح التسويق عاجزاً عن الوصول إلى الناس، أو يشعر الموظفون بأن الإدارة لا تسمعهم، أو يبتعد المسؤولون عن المستهلكين، أو تفقد المؤسسة قدرتها على المنافسة.


أولاً: الإدارة التي لا تسمع صوت المستهلك… تبدأ بخسارة السوق

المستهلك هو أحد أهم أجهزة الإنذار المبكر في أي مؤسسة.


فعندما يقول المستهلك إن المنتج لم يعد بالجودة السابقة، أو إن الخدمة أصبحت أبطأ، أو إن السعر لم يعد يتناسب مع القيمة، أو إن المؤسسة لا تستجيب لشكاواه، فهذه ليست مجرد تعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي.


إنها معلومات إدارية مجانية يجب أن تلتقطها الإدارة وتحللها وتبني عليها قراراتها.

والإدارة التي تتعامل مع تذمر الناس باعتباره هجوماً عليها قد تكتشف متأخرة أن المشكلة لم تكن في الناس، وإنما في المنتج أو الخدمة أو طريقة الإدارة أو في قرارات اتخذتها أثارت الناس .


ثانياً: وقرأت عن شركة Apple… مثال إيجابي شهير على الإدارة التي أنقذت مؤسسة كانت في أزمة

من أقوى الأمثلة العالمية شركة Apple.

عندما عاد ستيف جوبز إلى Apple عام 1997 كانت الشركة تعاني من تراجع الإيرادات وخسائر كبيرة وتشتت في المنتجات. وتصف وثائق تلك المرحلة الشركة بأنها كانت بحاجة إلى إعادة تركيز شاملة.

لم يبدأ جوبز بزيادة الإعلانات فقط، ولم يقل إن المشكلة في المستهلكين.

بل بدأ بالسؤال الإداري الأساسي:

ماذا نبيع؟ ولمن؟ ولماذا؟

راجع قائمة المنتجات وألغى نسبة كبيرة من المشاريع والمنتجات، وركز على عدد محدود من المنتجات، وأعاد تنظيم الإدارة والتسويق، وغيّر استراتيجية المنتجات. وفي رسالة إلى العاملين في أغسطس 1997 تحدث صراحة عن ضرورة إعادة Apple إلى جذورها وعن تغيير مجلس الإدارة واستراتيجية المنتجات وخريطة الطريق التسويقية.

وبعد ذلك جاءت سلسلة من المنتجات التي أعادت بناء صورة الشركة، وصولاً إلى iMac ثم iPod ثم iPhone.

الدرس الإداري هنا واضح:

لم يكن الإنقاذ مجرد تغيير أشخاص؛ بل كان تغييراً في التفكير والاستراتيجية والمنتج والتنظيم وطريقة مخاطبة السوق.


ثالثاً: وقرأت عن شركة LEGO… الإدارة الناجحة تنقذ الشركة عندما تعترف بأن المشكلة حقيقية

شركة LEGO تقدم مثالاً آخر بالغ الأهمية.

في بداية الألفية كانت الشركة تمر بأزمة حقيقية، وتراجع في المبيعات، وضغوط مالية، وتوسع في مجالات لم تعد تخدم جوهر الشركة.

وفي عام 2004 تولى Jørgen Vig Knudstorp منصب الرئيس التنفيذي، وبدأ برنامجاً للتحول وإعادة الهيكلة. وتشير دراسة لمعهد IMD إلى أن LEGO أصبحت بحلول 2014 الشركة العالمية الرائدة في صناعة الألعاب والأسرع نمواً والأكثر ربحية في القطاع.

لم يكن الحل في إضافة منتجات بلا حدود.

بل كان في العودة إلى جوهر الشركة، وضبط التكاليف، والتخلص من الأنشطة غير الأساسية، وتبسيط المنتجات والمكونات، وإعادة التركيز على ما يريده المستهلك وما تتفوق فيه LEGO.

وهنا درس آخر:

أحياناً يكون التغيير الإداري الحقيقي هو أن تتوقف المؤسسة عن فعل أشياء كثيرة، وتعود إلى الشيء الذي تعرفه وتنجح فيه.


رابعاً: وقرأت عن الشركات التي فشلت… تحذرنا من خطورة الإدارة التي لا تتغير

في المقابل، هناك شركات عالمية أصبحت نماذج تاريخية على خطورة تجاهل التحولات في السوق.

ومن أبرز الأمثلة الايجابيه Kodak.

فالشركة التي ارتبط اسمها عالمياً بالتصوير لم تستطع أن تتحول بالسرعة المطلوبة مع التحول من التصوير الفيلمي إلى التصوير الرقمي، رغم أن لديها معرفة مبكرة بالتكنولوجيا الرقمية.

والدرس هنا ليس أن شركة عملاقة يمكن أن تفشل فقط بسبب منتج سيئ؛ بل إن نجاح الماضي قد يتحول إلى خطر عندما يجعل الإدارة تعتقد أن ما نجح بالأمس سيستمر بالنجاح غداً.

وهذه واحدة من أخطر مشكلات الإدارة:

الاطمئنان إلى النجاح السابق.

خامساً: الإدارة التي لا تستمع للموظفين قد لا تسمع المستهلك أيضاً

هناك مؤشر آخر بالغ الأهمية.

عندما يخاف الموظف من إبلاغ المدير بأن المنتج ضعيف، أو أن الزبائن غير راضين، أو أن هناك مشكلة في الخدمة، فإن الإدارة تبدأ بفقدان أهم مصادر المعلومات داخل المؤسسة.

وهنا يصبح المدير محاطاً بتقارير جميلة، وأرقام منتقاة، واجتماعات ناجحة على الورق، بينما الواقع في السوق مختلف.


الإدارة القوية ليست التي لا تسمع النقد.


الإدارة القوية هي التي تبحث عن النقد وتستمع ولا تتخذ موقفا من اي ناقد قبل أن يبحث عنها الفشل.


سادساً: متى نعرف أن التغيير الإداري الجذري أصبح ضرورة؟

يمكن وضع مجموعة من المؤشرات التي ينبغي أن تدفع أي مؤسسة إلى مراجعة إدارتها:

تراجع المبيعات بصورة مستمرة.

انخفاض رضا المستهلكين.

تكرار الشكاوى من المنتج أو الخدمة.

فشل المنتجات الجديدة في السوق.

ضعف التواصل بين الإدارة والمستهلكين.

ارتفاع المصروفات دون زيادة مقابلة في الإنتاج أو الإيرادات.

خروج الكفاءات من المؤسسة.

فشل الإدارة في قراءة المنافسين.

اعتماد المؤسسة على نجاح قديم دون تطوير.

فشل التسويق في الوصول إلى الجمهور.

انتشار صورة سلبية عن المؤسسة وعدم استجابة الإدارة لها.

تحول الاجتماعات إلى غاية بدلاً من أن تكون وسيلة لاتخاذ القرار.

وعند اجتماع عدد من هذه المؤشرات، فإن تغيير المدير وحده قد لا يكون كافياً.


المطلوب قد يكون إعادة بناء الإدارة والاستراتيجية والهيكل التنظيمي وثقافة المؤسسة وآليات الاستماع للمستهلك.


الإدارة الناجحة ترى الأزمة قبل وقوعها


الفرق بين الإدارة التقليدية والإدارة الناجحة ليس أن الأولى لا تعمل والثانية تعمل.

الفرق أن الإدارة التقليدية قد تنتظر حتى تظهر النتائج السلبية في البيانات المالية، بينما الإدارة الحديثة تراقب المؤشرات قبل أن تتحول إلى خسائر.

فالمدير الناجح يسأل باستمرار:

ماذا يقول عنا المستهلك؟

لماذا انخفضت المبيعات؟

لماذا يذهب الزبون إلى المنافس؟

هل منتجاتنا ما زالت تلبي حاجات الناس؟

هل موظفونا قادرون على قول الحقيقة للإدارة؟

هل التسويق ينقل رسالة المؤسسة فعلاً؟

هل نحن نبيع ما يحتاجه الناس أم ما نعتقد نحن أنهم يحتاجونه؟

هذه الأسئلة قد تنقذ شركة بمليارات الدولارات.

وفي الجامعات والمؤسسات العامة… السؤال يصبح أكثر أهمية

إذا كانت الشركات الخاصة تستطيع تغيير إدارتها عندما تتراجع المبيعات، فماذا عن الجامعات والمؤسسات العامة التي لا تقيس نجاحها بالمبيعات فقط؟

هنا تصبح المؤشرات أكثر اتساعاً:

رضا الطلبة، جودة التعليم، مخرجات الخريجين، نسب التشغيل، البحث العلمي، السمعة الأكاديمية، رضا المجتمع، القدرة على استقطاب الطلبة، كفاءة الإنفاق، جودة الخدمات، والقدرة على مواكبة سوق العمل.

فالجامعة أيضاً منتجها الأساسي هو المعرفة والإنسان والخريج، والمجتمع هو المستفيد والحَكَم.

ولهذا فإن الإدارة الجامعية التي لا تستمع إلى الطلبة وأعضاء هيئة التدريس والخريجين وسوق العمل قد لا تكتشف المشكلة إلا بعد أن تتراكم.

ومن هنا فإن التغيير الإداري الجذري لا ينبغي أن ينتظر الانهيار.

بل إن أعظم نجاح إداري هو أن تقوم الإدارة بالتغيير قبل أن تضطر إليه الأزمة.

وهذه هي القاعدة التي ينبغي أن يتعلم من تجارب العالم:

لا تنتظر أن تنخفض المبيعات إلى النصف، ولا أن ينهار المنتج، ولا أن يرحل المستهلك، ولا أن تفقد المؤسسة ثقة الناس حتى تبدأ بالتغيير

.

لأن الإدارة التي تغيّر نفسها في الوقت المناسب تنقذ مؤسستها، أما الإدارة التي ترفض التغيير حتى النهاية فقد تجعل التغيير يأتي إليها… ولكن بعد فوات الأوان.

مصطفى محمد عيروط


مواضيع قد تهمك