اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

اسماعيل الشريف : سلام أشباه المسؤولين

اسماعيل الشريف : سلام أشباه المسؤولين
أخبارنا :  

«لا تَدخُلونَ الجَنَّةَ حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤمِنوا حتَّى تَحابُّوا، أوَلا أدُلُّكُم على شيءٍ إذا فعَلتُموه تَحابَبتُم؟ أفشوا السَّلامَ بينَكُم» - حديث نبوي.

كان سيدُ الخلق وأحبُّ خلق الله إليه، رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، لا يترقّب أن يسبقه أحدٌ بالسلام، بل كان دائمًا صاحب المبادرة في إلقائه، حتى مع الأطفال الصغار، تجسيدًا منه لكمال التواضع ورُقي الخُلق.

ويُروى أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب»، مرّ يومًا بالسيدة خَولة بنت ثعلبة، فأخذت تُذكّره بالله وتَعِظه، فوقف يُصغي إليها طويلًا. وحين استغرب بعض مرافقيه من إطالته الوقوف لامرأة عجوز، أجابهم بما مؤداه: إن هذه خولة التي سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات؛ أفيسمعها رب العالمين ولا يسمعها عمر؟

أستحضر هذا الموقف كلما تكرر معي مشهدٌ عشته مرارًا: أن أكون برفقة صديق، فنلتقي بمسؤول حالي أو سابق يعرفه، فيبادر بتحيته بحفاوة بالغة، فإذا جاء دوري ومددت يدي مجاملةً، لا يكاد يلتفت إليّ، بل يُشيح بوجهه ويصافحني ببرود لافت. وهو تصرُّفٌ يستفزّني لما ينطوي عليه من تَعالٍ واستخفاف بقيمة الآخرين. فهل صادفتَ، عزيزي القارئ، موقفًا مماثلًا، أم أن حساسيتي تجاه هذا السلوك مُبالغ فيها؟

كثيرًا ما أتساءل: ما الذي يدفع بعض المسؤولين إلى الإحجام عن السلام على الناس بدفء وإنسانية؟ مع علمنا أن بعضهم لم يصل إلى موقعه إلا بظروفٍ عابرة؛ فهذا جاء بسبب انتسابه إلى نادٍ سياسي، وذاك مهّدت له مصالحُه مع بعض المسؤولين، وثالثٌ كوفئ بمنصبه مكافأةً لا استحقاقًا، بل إن ثمة قصصًا موثقة عن تعيين أشخاص في مواقعهم عن طريق الخطأ. ومن هؤلاء من عُرف بالفساد، ومنهم من دخل السجن بتهم تخصّه. ومع ذلك، يتعامل بعضهم مع الناس باستعلاء ظاهر، فإذا ما ظهر مسؤول أعلى منزلةً، أو شخص يرجون منه مصلحةً، انقلب تعاليهم فجأة إلى توددٍ وخضوع. فأي تفاهةٍ تلك التي تجعل الإنسانَ متكبرًا على من لا يرجو منه نفعًا، ومُتذللًا لمن يملك له مصلحة؟

ولعل وراء هذا السلوك اعتقادًا يسكن وعي بعضهم أو لا وعيهم، بأنهم يحتلون منزلةً أرفع من غيرهم، أو أنهم لا ينظرون إلى الناس إلا من زاوية المنفعة. وربما يظنون أن الابتسامة والسلام الحار ينالان من هيبتهم، فيحسبون العبوس والجفاء ضربًا من الوقار. وقد يكون تودد البعض إليهم، وسعيهم الدائم لنيل رضاهم، عاملًا رسّخ لديهم هذا الشعور، حتى غدا من المعتاد أن يكون الطرف الآخر هو المبادر بالتقرب دومًا.

يُعد التواصل البصري عند إلقاء السلام، مصحوبًا بابتسامة دافئة، من أبسط قواعد الاحترام الإنساني وأكثرها بداهة. أما السلام الذي يُلقى باستخفاف وبرود، فلا يدل بالضرورة على هيبة صاحبه، بل قد يكون محاولة متكلّفة لإظهارها، وقد يُخفي في كثير من الأحيان ضعفًا في الشخصية أو خللًا في الثقة بالنفس، أو بعض السمات النرجسية، كالمغالاة في السعي وراء المكانة، والشعور المفرط بالاستحقاق، والتنافس الدائم على المرتبة الاجتماعية.

ومما يزيد من استفزازي أنني، من الأساس، لا أسعى ولا أرغب في التودد إلى هذا المسؤول، ولا يعنيني منصبه في شيء؛ وإنما يفرض عليّ الموقف الاجتماعي وحده أن ألقي السلام وأبدي الاحترام. وأكثر ما يُثير انزعاجي أن يُفسَّر هذا الاحترام على أنه تودد أو طلب قرب، في حين أنه لا يعدو كونه التزامًا بأبسط قواعد الذوق واللياقة.

وإلى اليوم، كلما تكرر معي هذا الموقف، أسأل نفسي: ماذا عساي أفعل في المرة القادمة؟ هل أضع يدي في جيبي وأشيح بوجهي كما يفعل هو؟ أم أعاتبه أو أرفع صوتي في وجهه، فتتحول إساءة عابرة إلى مواجهة موثقة قد تترتب عليها تبعات لا تستحق؟ أم أتجاوز الموقف بابتسامة، وأُفوّض أمري إلى الله، ثم أبثّ شكواي إلى قارئي العزيز في هذه السطور، عسى أن تكون مُتنفسًا أُخرج به ما يعتمل في صدري؟

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك