اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

الدكتورة دانييلا القرعان : الملكة رانيا: حين يكون العمل بصمت، أكثر حضوراً من ضجيج الإشهار..

الدكتورة دانييلا القرعان : الملكة رانيا: حين يكون العمل بصمت، أكثر حضوراً من ضجيج الإشهار..
أخبارنا :  

في عيد ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله، لا أظن أن نكتفي بقول (كل عام وجلالتها بخير) أو أن نكرر عبارات العمر المديد والصحة والسعادة، على جمال هذه الدعوات وصدقها، لأننا بهكذا مناسبة، نستحق أن نتوقف عند ما هو أبعد من التهنئة، ونسأل، ماذا فعلت جلالتها؟ وماذا بقي من حضورها في حياتنا كأردنيين بعد سنوات طويلة من العمل؟


الإجابة، في رأيي، لقد اختارت جلالتها منذ البداية طريقاً مختلفاً؛ طريق العمل الهادئ، المتدرج، الذي لا يبحث في كل مرة عن ضوء كاميرا بقدر ما يبحث عن أثر يبقى بعد انطفائه، وأنا أرى أنها ليس من الشخصيات التي يمكن قياس نشاطها بعدد صور أو مناسبات، لأن خلف كل ظهور تقريباً ملف، خلف كل زيارة قضية، وخلف كل مبادرة مؤسسة وفريق وبرنامج يستطيع أن يستمر حتى عندما لا تكون جلالتها حاضرة في المكان، هذه ربما واحدة من أهم سمات تجربة جلالتها، أنها لا تعمل على صناعة حضور شخصي، بقدر ما تعمل على صناعة أثر مؤسسي.


ففي التعليم، لم تتعامل جلالتها باعتباره عنواناً يصلح للخطابات، لكنها بنت منه منظومة متكاملة، وعملت من خلال مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية على ردم الفجوات التعليمية، وعلى تصميم الحلول التي تستند إلى البيانات والأدلة، وعلى دعم اطفال وأهل ومعلمين، تحسين مستوى القراءة والفهم لدى الأطفال، كما تشير مخرجات هذه المؤسسة إلى أن برامجها وصلت لملايين الأطفال، وآلاف الطلبة، ومئات آلاف أولياء الأمور، وحصل برنامج (إقرأ لي) على المركز الثاني في جائزة WISE للتعليم عام 2025، هنا تكمن أهمية هذه التجربة، فلم تعد قضية التعليم مرتبطة بشخص الملكة رانيا، بل أصبح هناك مؤسسات وبرامج وأبحاث وفرق عمل تحمل الفكرة وتطويرها.


وفي عامنا المنصرم، مثلاً، افتتحت جلالتها في العقبة الفرع 25 لمراكز زها الثقافي، وشاركت في فعالية بمناسبة مرور 20 عاماً على تأسيس صندوق الأمان لمستقبل الأيتام، زارت والتقت مع العديد من نساء المجتمعات المحلية، وزاد اهتمامها بتمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً، بل ولعل اللافت في شخصية جلالتها أنها لم تحصر دورها داخل الأردن فشاركت في مؤتمر SXSW London وتحدثت به ضمن حضور عالمي يرتبط بقضايا التعليم والحوار بين الثقافات واللاجئين والحلول المبتكرة والتحديات الإنسانية، وهذا كله يقودنا إلى نقطة ربما تستحق منا التأمل أكثر، اليست جلالتها جدّة؟ هنا قد يظن البعض أن هذا يمكن أن يدفع بها إلى التخفيف من مسؤولياتها العامة، أو تنشغل أكثر بالعائلة والحياة الخاصة، لكن ما نراه يقول شيئاً آخر، نعم صحيح جلالتها دخلت مرحلة عائلية جميلة، وأصبحت جدة لأربعة أحفاد، لكن الملفات التي تحملها لم تتراجع، ولم يتراجع حضورها في قضايا الطفل والتعليم والمرأة والأسرة والشباب، وانما أصبحت هذه القضايا أقرب إلى وجدانها، لانها باتت ترى أبناء أبنائها يكبرون أمامها.


حين نتحدث عن جلالة الملكة رانيا، لا ينبغي النظر إلى ما فعلته جلالتها في يوم أو أسبوع أو مناسبة، بل ننظر إلى مسيرة طويلة من تراكم العمل في التعليم، الطفل، الأسرة، المرأة، الشباب، حماية الفئات الأكثر احتياجاً، ريادة الأعمال، الثقافة، الحوار بين الشعوب وتمكين الإنسان بأن يكون شريكاً في التنمية لا مجرد متلقٍ لها، لذا، لعل أجمل ما يمكن أن نقوله في عيد ميلاد أم الحسين، الله يعطيها العافية، فهي لم تجعل من العمل الإنساني موسماً، ومن القضايا الاجتماعية مناسبة عابرة، ومن ظهورها الإعلامي غاية بحد ذاته، بل رصدناها كيف تعمل، وكيف تترك عملها يتحدث، متى تظهر عندما يكون ظهور جلالتها ضرورياً، أو تغيب لما يصبح وجود المؤسسة والفريق والبرنامج أهم من وجود الشخص، هذه هي قيمة العمل بصمت، وأرى هنا أن يكون سؤالنا عنها، كم حياة تغيرت؟ كم طفل حصل على فرصة أفضل؟ كم امرأة صارت أكثر اعتماداً على نفسها، كم شاباً وجد طريقاً إلى التعليم والعمل، وكم فكرة تحولت إلى نمط يستطيع أن يستمر؟


ختاماً، في عيد ميلاد جلالة الملكة رانيا العبدالله، نحن لا نبارك لملكة أتمت عاماً جديداً من عمرها فحسب، بل نبارك للأردنية التي جعلت من موقعها مسؤولية، من حضورها اكبر رسالة، من قضايا الإنسان مشروع عمل مستمر، فكل عام وجلالتها بخير، وكل عام وهي تمضي في ذات الطريق، هادئة في أسلوبها، دقيقة في اختيار ملفاتها، مؤمنة بما تفعل، محاطة بفريق يعرف أن خدمة الإنسان ليست صوراً تُلتقط، بل عمل لا ينتهي، فكل عام والأردن برجاله وأمهاته ونسائه وأطفاله وشبابه وكل من يعمل من أجل مستقبله، وعلى رأسهم جلالة مليكنا المفدى، بألف ألف خير.


مواضيع قد تهمك