اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عماد الحمادين : من أفغانستان إلى إيران: لماذا تجد الولايات المتحدة صعوبة في إنهاء حروبها؟

د
أخبارنا :  

في مقال نشرته صحيفة The New York Times في 30 أغسطس 2026 للكاتب Greg Jaffe بعنوان:"Why the United States Can’t Quit Its Wars”: «أ ي لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة الانسحاب من حروبها؟


هذا المقال كُتب بمناسبة مرور 5 سنوات على الإنسحاب الامريكي من أفغانستان ، وهو يكتسب أهمية خاصة بسبب ربطة بين الحرب على افغانستان التي استمرت عشرين عاما ولم تحقق انجازا يذكر، واضطر فيها الامريكيون للانسحاب بشكل اعتبره البعض مهينا للقوة الامريكية وبداية لتأكل قوة الردع الامريكي، وبين الحرب الحالية على إيران.


الصحفي Greg Jaffe أمضى 15 عاما في تغطية الحرب الامريكية في افغانستان والتي بدأت كما يقول بهدف واضح وهو اسقاط نظام طالبان. يشير الكاتب إلى مفارقة مهمه ، وهي ان الولايات المتحدة تجد احيانا أن إنهاء الحرب أصعب من خوضها. في راي الكاتب، أن المخاوف التي منعت ثلاث رؤساء أمريكيين من الانسحاب من افغانستان تبين لاحقا أن لا اساس لها من الصحة، وهو بهذه الحالة يرى أن انسحابا امريكيا من الحرب مع إيران قد لا يكون مخيفا كما يتوقعة الساسة الامريكيين، لذلك الكاتب يطرح عدة اسباب مهمه تجعل المازق الامريكي في ايران طويل وطريقه غير واضحة المعالم.


المعضلة الاولى هي ان الانسحاب من الحرب يجعل مصداقية الولايات المتحدة امام الحلفاء والخصوم مشكوكاً فيها، وسوف ينظر الية داخل المؤسسة العسكرية كاعتراف بالهزيمة. يشير الكاتب في هذا السياق بشكل ضمني الى مشكلة تعريف النصر بين القوى الكبرى والقوى الاقليمية ومتوسطة القوى، فما تراه القوى الكبرى، كالولايات المتحدة نصراً يتطلب بالواقع انكساراً ايرانيا او استسلاناً كما اراده الرئيس ترامب في بداية الحرب.


لكن في الطرف المقابل، ترى ايران وحلفاؤها ،أن الصمود في الحرب دون سقوط الدولة ،او تغيير النظام وتسليم اليورانيوم انتصارا وان خسرت كل مقدراتها العسكرية والمدنية.


المعضلة الثانية التي يشير اليها الكاتب هي معضلة التضحيات السابقة. عند سقوط قتلى وجرحى يصبح الانسحاب سياسيا ونفسيا اكبر صعوبة، وهذا بالضبط الخط الاحمر الذي وضعه الرئيس ترامب للهجمات الايرانية ، حتى تكون قابلة للرد الامريكي، يجب أن يسقط قتلى امريكيين. الشعب الامريكي حساس لهذه المشكلة لذلك نرى اي رئيس امريكي لا يستطيع سحب قوات من معركة سقط فيها قتلى امريكيين.


المعضلة الثالثة يقول الكاتب إن المؤسسة العسكرية الامريكية مصممة على النصر. وهذه ثقافة امريكية متاصلة تقوم على القتال من اجل النصر" Fight to Win لذلك يصبح الاعتراف بان الحرب غير قابلة للنصر امرا بالغ الصعوية.


المعضلة الثالثة هي تغيير اهداف الحرب، عندما يصبح تحقيق النصر صعبا تتحول الاهداف تدريجيا من النصر الى تقليل الخسائر وخفض الكلفة، والحفاظ على الوضع القائم. وهذا بالضبط مايحصل الان حيث تغيرت اهداف الحرب الاساسية تقريبا من اسقاط النظام والسيطرة على اليورانيوم الايراني المخصب وتحجيم قدرة الصواريخ الايرانية الى تقليل الخسائر من سيطرة ايران على مضيق هرمز واصبح هدف الامريكيان هو فتح المضيق.


المعضلة الخامسة يشير الكاتب فيها الى ان الخوف من اليوم التالي للانسحاب من الحرب مشكلة بحد ذاتها تمنع الانسحاب الامريكي. في حالة افغانستان كان الخوف من الانسحاب هو عودة طالبان بقوة لفرض الشريعة الاسلامية على الاقليات، وتقييد المراة ، وعودة نظام مغلق فكريا وسياسيا، لكن الذي حدث هو العكس ،وان طالبان الجديدة مختلفة بشكل كبير عن طالبان السابقة، وبالتالي اصبحت المخاوف الامريكية لا اساس لها.


التشابة بين افغانستان وايران كبيرا في هذه المرحلة فالولايات المتحدة دخلت حرب افغانستان وهي تملك تصورا للنصر، وهو التخلص نهائيا من طالبان وانشاء دولة ديموقراطية تدور في فلك الولايات المتحدة الامريكية. ولكن مع مرور الوقت اصبح النصر عزيزا وغير قابل للتحقق بالرغم من التكلفة الكبيرة للبقاء في افغانستان. ومع ذلك وبالرغم من ادراك الامريكيين لهذه الحقيقة مبكرا_ وقت مقتل اسامة بن لادن في عام 2011وهي فرصة ذهبية للانسحاب بشكل مشرف_ بقيت امريكا تقاتل هناك املا في تغيير الوضع القائم . الحرب بعد مقتل بن لادن حصدت ارواح 868 امريكيا.


في النهاية يجادل الكاتب ان الامريكيين لو كانوا يدركون ان الانسحاب من افغانستان مبكرا كان افضل لهم من الاستمرار في حرب اتضحت نهايتها مبكرا لانسحبوا وتجنبوا الهزيمة التي لجقت بهم وبمن ساعدهم من الافغان.


في المقابل يمكن القول ان هناك اسبابا لم يتطرق اليها Greg Jeffe قد تجعل المقارنه بين حرب ايران الحالية وحرب افغانستان مختلفة.


اولا: ومنها ان الولايات المتحدة دخلت الحرب الافغانية متسلحة بذريعة قوية وهي الحرب على الارهاب وحشدت حولها دول من مختلف انحاء العالم. قد يكون الخطأ الذي وقعت فيه هو انها لم تنسحب عند مقتل بن لادن وهو هدف كبير يمكن من خلاله اعلان النصر. لكن حتى في هذه الحالة يصعب عليها الانسحاب، وذلك لان اهدافها من حرب افغانستان لم تنهِ بمقتل بن لادن ، ولا بتشتيت حركة طالبان في الجبال واقامة حكومه موالية لها. اهداف الحرب انتقلت من حرب الارهاب الى بناء الدول ثم اصبحت منافسة جيواستراتيجية تهدف الى ابقاء افغانستان دولة تمنع التمدد الصيني ، وتكون قاعدة تجسس امربكبة على اسيا الوسطى، وتمنع تكون اي محاولة لاقامة إمارة اسلامية تمنح المجاهدين حول العالم املاً بتكرار نسخة طالبان في العالم الاسلامي. المشكلة لم تكن فقط أن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق الهدف؛ بل أنها وسّعت تعريف الهدف أثناء الحرب.وهذا يقود إلى ما يسمى:Mission Creepأي توسع المهمة تدريجيًا إلى ما يتجاوز الهدف الأصلي.


مالم يذكرة الكاتب ان الانسحاب كان بسبب الخسائر الكبيرة التي تلقتها القوات الامريكية من طالبان ومن يدعمها شعبيا ودوليا، وبالتالي ادركت الولايات المتحدة متأخراً _كما ادرك الاتحاد السوفيتي سابقا في افغانستان، ان الحاضنه الشعبية هي التي تقاتل وتدعم المقاتلين وان حرب العقول والقلوب قد خسرتها مبكرا.


هذا الامر يمكن ان ينطبق على ايران حاليا، فالشعور الشعبي الايراني بان البلد تتعرض الى حرب وجودية هدفها القضاء على ايران بشكل يمنع القومية الفارسية من الازدهار ادى الى تمترس الشعب الايراني حول النظام الايراني ودعمه حتى لو كانت سياساته السابقة غير شعبوية.


ثانيا: بالرغم من أن الرئيس الامريكي وحركة ماغا قاما على تحالف غير معلن وهو الانسحاب الامريكي من مناطق الصراعات التي ادت سابقا الى استنزاف امريكا وان شعار امريكا اولاً، يعني الالتفات الى الداخل الامريكي قبل شن حروب خارجية طويلة، لم يكن واقعيا بالكلية ، فهل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على الهيبة ةالردع دون الانخراط في حروب طويلة؟


ثالثا: مالم يقلة الكاتب ايضا الدور الاسرائيلي في الحرب الحالية، حيث تشير تقارير وتحليلات صحفية واستقصائية إلى أن الاعتبارات الإسرائيلية لعبت دورًا مهمًا في الدفع نحو الحرب، وإلى وجود تباين بين الأولويات الأمنية الإسرائيلية والحسابات الاستراتيجية الأمريكية..


فحسب وزير خارجية امريكا السابق جون كيري، فقد حاول نتنياهو اقناع عدد من الرؤوساء الامريكيين السابقين بشن حرب على إيران ولكنه فشل. في الحرب على إيران، المصالح الاسرائيلية كانت اعلى صوتا من المصالح الامريكية ، فايران لا تشكل تهديدا وجوديا لأمريكا كما هي لإسرائيل.


وقد اتضح الخلاف بين الطرفين مؤخرا من خلال تصريحات نائب الرئيس الامريكي الذي أعلن أن اسرائيل تريد استمرار الحرب وان المصلحة الامريكية غير ذلك.


رابعا: مالم يقلة الكاتب ايضا أن تكلفة الانسحاب سياسيا على القادة اكبر مما يمكن تحملها، لذلك قد يطيح انسحابا امريكيا مستعجلا من الحرب مع إيران بالقادة السياسيين والامنيين وبذلك قد يفضل القادة استراتيجية خروج اقل تكلفة عليهم او يحاولون ابقاء المشاغلة مستمرة حتى تنقل السلطة الى أخرين.


وهنا القائد لايسال فقط هل نستطيع انهاء الحرب بل يسأل ماذا سيحدث لي سياسيا إذا أنهيت الحرب؟وهذا حدث في الحرب مع افغانستان، فقد تردد ثلاث رؤوساء امريكيين من سحب القوات حتى اصبحت تكلفة بقاء القوات سياسيا اعلى من إنسحابها وحتى اصبح الانسحاب مطلبا شعبيا امريكيا.


أخيرا، الانسحاب الامريكي من افغانستان _وإن كان مخزيا في نظر الرئبس الامريكي الا ان تكلفته اقل من الناحية السياسية والعسكرية من الانسحاب من الحرب مع إيران.


إيران دولة ذات شرعية دولية على العكس من طالبان وكذلك القوة العسكرية الايرانية اقوى بكثير من مثيلتها الافغانية والخسائر التي الحقتها إيران بأمريكا وحلفاؤها تتعاظم مع الوقت.


أضف إلى ذلك قدرة إيران على السيطرة على مضيق هرمز ورفضها التفاوض مع امريكا على شروط لا تقبل بها.


كل هذه الظروف تجعل الانسحاب الامريكي في هذه المرحلة من الحرب خسارة كبيرة لا يمكنتعويضها وقد تعني فيما تعانية انسحابا امريكا كاملا من المنطقة وتاكل قوتها الردعية بشكل كبير.


وعليه، فإن الدرس المركزي من أفغانستان لا يتمثل فقط في أن الولايات المتحدة بقيت في الحرب فترة أطول مما ينبغي، وإنما في أن القوى الكبرى قد تجد نفسها أسيرة لتعريفها الخاص للنصر.


فعندما ينفصل التفوق العسكري عن الأهداف السياسية القابلة للتحقيق، لا تعود المشكلة في كيفية كسب الحرب، وإنما في كيفية إعادة تعريف النصر دون أن يبدو ذلك هزيمة.


مواضيع قد تهمك