د. علي عبد السلام المحارمة : حول مستقبل التعليم.. قبل فوات الأوان
منذ فترة، انصرفت للبحث بعمق حول مستقبل التعليم ليس في الأردن أو الوطن العربي فحسب، بل على المستوى الدولي، وقد توصّلتُ للعديد من المؤشرات الخطيرة التالية:
1 -هناك فجوة كبيرة بين مخرجات العملية التعليمية المتمثلة بخريجي الجامعات في التخصصات المختلفة وبين متطلبات الواقع، وهذه الفجوة تنسحب أيضاً حتى على مستوى التخصصات التقنية المرتبطة بالرقمنة، وربما تغدو المساقات التي يدرسها الطالب في السنة الأولى في تخصص الذكاء الصناعي اليوم غير ملائمة لمتطلبات السوق بعد أربع سنوات؛ وذلك بسبب التسارع الكبير الذي يشهده تطور وزخم القطاع.
2 -أن المساقات والمعلومات والمعرفة بشكلها التقليدي العتيق متاحة الآن بشكل أكثر اتّساعاُ وانتشاراً وتهذيباً وتنقيحاً وشمولاً من أية مناهج معتمدة لدى المؤسسات التعليمية المختلفة، وهنا يتم بإلحاح طرح تساؤل عميق حول أيهما يستحق الاهتمام أكثر: المنهج أم المنهجية؟ وبالتالي ما هي جدوى كتابة وتطوير المناهج طالما أنها تغدو ضئيلة الجدوى أمام كل هذا الزخم الاستثنائي من المعرفة والبيانات؟
3 -أعمار التعليم ومراحله العتيقة المختلفة والتي سادت عبر أكثر من قرن كانت تجسّد بشكل أو بآخر انعكاسا ما لحالة نضوج ووعي الانسان عبر مراحل عمره المختلفة، لكننا اليوم نقف بذهول أمام تفوق طفل على كهل وتلميذ على معلمه وشخص آخر غادر المدارس دون أية شهادات على أساتذة في الجامعات، ورجل طاعن في السن على شباب في بواكير أعمارهم... وهذه الحالات ليست استثنائية متفردة، بل ظواهر واسعة الانتشار، وبالتالي: تبدو هناك حاجة ملحّة لإعادة النظر في تقسيم مراحل التعليم ومددها وشهاداتها كي تكون أكثر قرباً من واقع التغير الجاري الذي يعتري التعليم والمعرفة بشكل عام.
وعند استعراضي لبعض السيناريوهات التي تسعى لتبني طروحات تواكب التغيرات الدراماتيكية المتسارعة في المجال؛ راق لي طرح يتعلق بدور الجامعات؛ حيث يتبنى أن تصبح الجامعات بمثابة منصة للدراسات والأبحاث ومفتوحة للباحثين من مختلف الأعمار، كما وجدتُ طرحاً آخر يتبنى اختزال عمر الدراسة الجامعية لسنة واحدة تتضمن بعض المنهجيات والمفاتيح والمبادئ والأسس، والتدريب على البحث العلمي ومناهجه المختلفة بعيداً عن أية أهداف ترتبط بنقل المعرفة من الاستاذ لطلبته.
وفكرة أخرى تتمحور حول جعل العملية التعليمية بمثابة عملية دائمة بلا نهايات، بمعنى إعادة الجميع لمقاعد البحث والدراسة والتعلم الذاتي سواءً في المؤسسات أو المنصات، وفي السياق ذاته يتم الحديث عن التخصصات والمهارات.
وبالنتيجة، تبدو التحديات التي يفرضها التسارع المجنون في عالم الرقمنة اليوم بمثابة ناقوس خطر يستوجب إطلاق العنان للأفكار الذكية التي تؤهل المجتمعات لولوج العالم الجديد بثقة ووعي وحداثة دون التخلي عن الهوية والأصالة والعراقة والخصوصية التي تميز المجتمعات.