اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : مفترق الطرق الإيراني ومأزق الإقليم

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : مفترق الطرق الإيراني ومأزق الإقليم
أخبارنا :  

تقف ايران اليوم عند مفترق طرق بنيوي هو الأكثر حساسية منذ قيام ثورة عام 1979. الوضع معقد جدا ما بين ضغوط الداخل، ومآلات التموضعات الإقليمية والدولية المحتدمة. إن هذا الاشتباك العميق والمتداخل بين أزمات البنية الداخلية وإلزامات الجغرافيا السياسية يفرض تفكيكاً دقيقا بين واقع الداخل الإيراني المعاش، والاستراتيجية الأمريكية المقابلة بأدواتها المتعددة، وانعكاسات ذلك على الأمن القومي العربي والاستقرار الإقليمي بأسره اذ تواصل ايران اعتداءاتها السافرة على الدول العربية.

يمر الداخل الإيراني بحالة متقدمة من التآكل الاقتصادي والاجتماعي المركب. وهذا ما تؤكده ارقام وبيانات المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، والتي تشير إلى تضخم نقدي مزمن، وانهيار قياسي في القيمة الشرائية للعملة الوطنية، وتراجع غير مسبوق في مستوى المعيشة. بيد أن التحليل الموضوعي يفند فرضيات الانهيار الوشيك للنظام التي يروج لها البعض. إذ لا يزال المركز الحاكم يتمتع بصلابة وتماسك في بنيته الأمنية والعسكرية، فضلاً عن تحكم الحرس الثوري بشبكات الاقتصاد الموازي العابرة للعقوبات المشددة، مما يمنح الدولة نوعا من المناعة مع القدرة على إدارة الصدمات المرحلية واحتواء الاحتقان الداخلي، وإن كان ذلك لا يعالج جذور الأزمة البنيوية على المدى الطويل.

في المقابل، تمضي واشنطن في تطبيق استراتيجية هجينة تقوم على مزج الضغط الأقصى بالحصار الاقتصادي والمالي الخانق، والردع العسكري الموجه. و في صلب الاستراتيجية الاميريكية المتجددة تفكيك أذرع النفوذ الإقليمي لطهران وإنهاء عقيدة وحدة الساحات، ومنع ايران من تجاوز العتبة النووية العسكرية، وإجبارها في نهاية المطاف على الجلوس إلى طاولة تفاوض وفق شروط صارمة. حققت هذه الاستراتيجية نجاحاً تكتيكياً في استنزاف الموارد المالية الإيرانية ورفع كلفة إدارة الحلفاء، إلا أنها أخفقت في إحداث تحول جذري في السلوك السياسي لطهران. فهي لم تفتح مضيق هرمز، و لم تحسم الموضوع النووي، ولم تنهي الترسانة الصاروخية او المسيرات.

في ظل هذا المشهد المعقد و المركب، تتأرجح مآلات المستقبل بين ثلاثة مسارات رئيسية. أولها مسار التهدئة المدارة والتسوية المشروطة، ويقوم على تفاهمات غير رسمية تفتح طهران بموجبها مضيق هرمز وتجمد التخصيب النووي مقابل تسهيلات وتخفيف مقيد للعقوبات لتفادي الانفجار الشامل. وثانيها مسار المواجهة العسكرية المباشرة باستهداف المنشآت الحيوية والنووية، وهو ما سيشعل حرباً إقليمية مفتوحة تشل الملاحة الدولية وتضرب أسواق الطاقة العالمية. أما المسار الثالث، فيتمثل في استمرار الردع الاستنزافي عبر حرب الظل السيبرانية والضربات التكتيكية المتبادلة دون حسم، وهو ما يبقي المنطقة برمتها فوق صفيح ساخن.

تلقي هذه المسارات بظلالها المباشرة على الفضاء العربي مما يفرض على العواصم العربية التحول إلى دور فاعل استراتيجي ومبادر بالاستناد الى ركيزتين متلازمتين. الأولى تتمثل في تعزيز الردع الدفاعي الذاتي وحماية البنى التحتية والممرات المائية الحيوية. اما الثانية، فتقوم على تبني دبلوماسية نشطة ومباشرة تتعامل مع طهران من موقع القوة، لقطع الطريق أمام أي صفقات دولية تتم تسويتها على حساب السيادة والمصالح القومية العربية.

إن استقرار الاقليم لا يمكن أن يقوم على أوهام التغيير المفاجئ وغير المحسوب في طهران، ولا على سياسات الاستنزاف المفتوح التي تدفع المنطقة نحو المجهول، بل يكمن المدخل الحقيقي في صياغة بنية أمنية إقليمية متوازنة وشاملة تنزع فتيل التصعيد اللامتناهي.


مواضيع قد تهمك