اسماعيل الشريف : معضلة الكيان.. انتصارات عسكرية بلا استقرار
الكلام أفضل من الحرب، فالحرب لا تحل المشكلات بل تؤجلها - تشرشل.
تحدثتُ في مقالة يوم أمس عن العقيدة الصهيونية الجديدة، القائمة على إنشاء مناطق عازلة داخل غزة ولبنان بهدف توفير الحماية للكيان. وقد تكون هذه المناطق ساهمت في تأمين حدوده على الجبهتين الشمالية والجنوبية لفترة مؤقتة، لكنها لم تنجح في تحقيق أمن حقيقي ومستدام؛ إذ لا يزال يواجه تهديدات قد تكون أكثر خطورة من حماس وحزب الله.
فهناك إيران، التي تمثل التحدي الاستراتيجي الأكبر الذي فشل الكيان في تحييده، إذ أصبحت تشكل خطرًا أكبر بكثير مما كانت عليه قبل طوفان الأقصى. وقد أظهرت المواجهات مع إيران قدرة الصهاينة على الوصول إلى العمق الإيراني واستهدافه، كما كشفت عن حجم الاختراق الاستخباراتي الصهيوني للمنظومات الإيرانية، وما نتج عن ذلك من ظهور نقاط ضعف مؤسسية داخل إيران.
إلا أن هذه القدرات لم تُخفِ حقيقة أخرى؛ فقد توصل الصهاينة إلى قناعة مفادها أنهم قادرون على إلحاق أضرار كبيرة بالبنية التحتية الإيرانية، لكنهم لن يتمكنوا حتمًا من القضاء على الخطر الإيراني، أو منع وصول صواريخها إلى تل أبيب في حال اندلاع مواجهة واسعة.
ثم تأتي سوريا، التي شهدت تحولًا جذريًا وانقلابًا في المشهد السياسي بعد سقوط نظام الأسد، بالتزامن مع تنامي الحضور التركي فيها.
فقد أصبحت تركيا على تماس مباشر مع حدود فلسطين المحتلة، وهو ما ينظر إليه الكيان باعتباره تهديدًا استراتيجيًا. لذلك بات احتمال حدوث احتكاك مباشر أمرًا قائمًا، وهو ما تجلّى بوضوح في الثامن عشر من آب، عندما قصف الطيران الصهيوني قاعدة أبو الظهور في شمال غرب سوريا، بعد ادعائه أن تركيا تعمل على إنشاء وجود راداري فيها. وقد أسفرت الضربات عن أضرار طالت مدرج القاعدة، دون تسجيل خسائر بشرية، وسط غموض في الموقف الأمريكي تجاه هذا التصعيد.
وقد صرّح المبعوث الأمريكي توم باراك بأن الجانب الصهيوني لم يُطلع الولايات المتحدة مسبقًا على ضربة أبو الظهور، محذرًا من مخاطر التصعيد مع تركيا، الأمر الذي دفع وزير الدفاع الصهيوني يسرائيل كاتس إلى رفض هذه التصريحات.
وإلى جانب تركيا وإيران، تواجه الصهاينة تحديات أخرى قد تكون أكثر تأثيرًا، وفي مقدمتها الضفة الغربية التي أصبحت الأكثر اضطرابًا في الوقت الراهن. فقد حذرت الأمم المتحدة خلال هذا الشهر من أن المنطقة وصلت إلى «نقطة انهيار»، حيث وثّقت، حتى العاشر من آب، أكثر من 1430 حادثة عنف ارتكبها المستوطنون خلال العام، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية.
وتستنزف الأوضاع في الضفة الغربية قدرات الجيش، إذ إن استمرار هذا الوضع سيؤدي حتمًا إلى انفجار الأوضاع هناك، وزيادة عزلة الكيان على المستويين الإقليمي والدولي.
ومن التحديات الاخرى التي تواجه الصهاينة أيضًا ملف التجنيد؛ إذ أشار تقرير لوكالة «أسوشيتد برس» خلال هذا الشهر إلى أن أقل من واحد من كل عشرة رجال من اليهود الحريديم المؤهلين للخدمة يلتحقون حاليًا بالجيش الإسرائيلي. ويأتي ذلك في وقت تصاعد فيه عبء عمليات التعبئة المتكررة منذ السابع من أكتوبر، الأمر الذي جعل قضية تجنيد الحريديم أحد الأسباب الرئيسية في تعميق الانقسام داخل المجتمع الصهيوني، والتأثير على السلم الاجتماعي فيه.
قد يكون الكيان الصهيوني قد حقق بعض النجاحات العسكرية، لكنه فشل في تحقيق أمن حدوده أو الوصول إلى حالة من الاستقرار. فكل ما حققه لا يتجاوز كونه نجاحات مؤقتة؛ إذ إنه حتى الآن لم يتمكن من نزع سلاح حزب الله أو حماس، كما يواجه تحديات متزايدة على المستويين الخارجي والداخلي.
ورغم نجاحه في إقامة مناطق عازلة، فإنه سيجد نفسه، في حروب جديدة تهدد حدوده ومواجهة تداعيات هذه التحديات المتراكمة، التي تؤكد أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لتحقيق الأمن وضمان الاستقرار.
ــ الدستور