اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ. د. ابراهيم الكردي : الأردن والصين.. نحو شراكة تصنع مستقبل السياحة الذكية

أ. د. ابراهيم الكردي : الأردن والصين.. نحو شراكة تصنع مستقبل السياحة الذكية
أخبارنا :  

تأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية في مرحلة مهمة من مسيرة العلاقات الأردنية الصينية، وتحمل في أبعادها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية فرصًا واسعة يمكن أن تنعكس على مختلف القطاعات، وفي مقدمتها القطاع السياحي، الذي يمثل أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني ومجالات التعاون الواعدة بين البلدين.

ولعل ما يلفت الانتباه في الزيارة الملكية هو حضور السياحة في أجندتها، ولا سيما لقاء جلالة الملك في مدينة شنغهاي مع مجموعة «Trip.com» الرائدة في مجال السياحة والسفر، وبحث فرص توطيد التعاون مع الصين في القطاع السياحي، والتأكيد على أهمية زيادة أعداد السياح الصينيين القادمين إلى الأردن وتعريفهم بالتنوع الكبير الذي تتمتع به المملكة من مواقع طبيعية وأثرية ومنتجات سياحية.

إن هذا الاهتمام الملكي يفتح أمامنا بابًا مهمًا للتفكير في السؤال الأوسع: هل نريد من الصين مزيدًا من السياح فقط، أم نريد شراكة سياحية أردنية صينية قادرة على صناعة مستقبل جديد للسياحة؟

في تقديري، علينا أن نذهب إلى الخيار الثاني.

فالصين ليست فقط واحدة من أكبر الأسواق السياحية في العالم، وإنما هي أيضًا دولة قطعت خطوات متقدمة في مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وأصبحت التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان اليومية ومن منظومة السفر والسياحة.

ومن هنا، فإن الفرصة أمام الأردن لا تكمن فقط في استقطاب السائح الصيني، وإنما في الاستفادة من الخبرة الصينية لبناء منظومة أردنية متقدمة للسياحة الذكية والرقمية والافتراضية.

السائح يبدأ رحلته قبل أن يغادر منزله

لقد تغير مفهوم السياحة في العالم.فالسائح لم يعد ينتظر وصوله إلى الوجهة حتى يبدأ بالتعرف إليها، وإنما تبدأ رحلته قبل ذلك بأسابيع وربما أشهر، من خلال الهاتف الذكي والمنصات الرقمية ومحركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي والخرائط التفاعلية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

السائح اليوم يبحث عن الوجهة، ويشاهد صورها وفيديوهاتها، ويقرأ تجارب الآخرين، ويقارن الأسعار، ويبحث عن الفنادق والمطاعم والبرامج، ويسأل التطبيقات الذكية عن أفضل الخيارات المتاحة له.

وبالتالي، فإن المنافسة بين الدول السياحية لم تعد تبدأ عند المطار، وإنما تبدأ على شاشة الهاتف.

وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل نقدم الأردن للسائح الصيني بالطريقة التي يتعامل بها هذا السائح مع العالم الرقمي؟

أعتقد أن أمامنا فرصة كبيرة لتطوير هذا الجانب.

من الترويج السياحي إلى التجربة الافتراضية

يمتلك الأردن مقومات سياحية استثنائية؛ البترا، ووادي رم، والبحر الميت، وجرش، والعقبة، ومادبا، وعجلون، والمغطس، وغيرها من المواقع الطبيعية والأثرية والتاريخية والثقافية.

لكن امتلاك المنتج السياحي وحده لم يعد كافيًا.

المطلوب اليوم أن نقدم هذا المنتج بلغة التكنولوجيا.

لماذا لا يستطيع السائح الصيني، وهو في بكين أو شنغهاي، أن يدخل إلى منصة رقمية أردنية باللغة الصينية، ويقوم بجولة افتراضية داخل البترا؟ لماذا لا يستطيع أن يستكشف وادي رم بتقنية الواقع الافتراضي؟ لماذا لا يستطيع أن يتجول افتراضيًا في جرش أو يشاهد البحر الميت ويتعرف إلى تجاربه المختلفة قبل أن يتخذ قرار السفر؟

إننا بحاجة إلى الانتقال من مرحلة عرض الموقع السياحي إلى مرحلة إتاحة تجربة سياحية رقمية متكاملة.

فالسياحة الافتراضية ينبغي أن لا تكون بديلًا عن السياحة الواقعية، بل أداة لتحفيزها.

عندما يشاهد السائح البترا افتراضيًا، يجب أن تكون النتيجة رغبته في زيارتها على أرض الواقع. وعندما يستكشف وادي رم من خلال الواقع الافتراضي، ينبغي أن يصبح أكثر رغبة في خوض تجربة الصحراء الأردنية بنفسه.

«الأردن الافتراضي».. مشروع يستحق التفكير

ومن هنا يمكن التفكير في مشروع وطني طموح تحت عنوان «الأردن الافتراضي»، يكون منصة سياحية رقمية متكاملة، ويمكن أن يبدأ بتصميم تجربة خاصة للسوق الصينية.

هذه المنصة لا تكون مجرد موقع إلكتروني يعرض المعلومات والصور، وإنما منظومة ذكية تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والواقع المعزز والتصوير ثلاثي الأبعاد والخرائط التفاعلية.

يدخل السائح الصيني إلى المنصة، يحدد اهتماماته ومدة رحلته وميزانيته، فيقوم النظام الذكي بتصميم برنامج سياحي يناسبه.

فإذا كان مهتمًا بالتراث والآثار، يحصل على برنامج مختلف عن السائح المهتم بالمغامرة والطبيعة، أو السائح الباحث عن الاستجمام، أو المهتم بالسياحة العلاجية والثقافية.

وبذلك يصبح الذكاء الاصطناعي مرشدًا سياحيًا رقميًا يرافق السائح قبل الرحلة وأثناءها وبعدها.

الذكاء الاصطناعي.. فرصة لتطوير المنتج السياحي

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي دورًا أكبر بكثير من مجرد ترجمة المعلومات السياحية إلى اللغة الصينية.

يمكن تطوير مساعد سياحي ذكي باللغة الصينية يستطيع الإجابة عن أسئلة السائح، وتقديم المعلومات التاريخية والثقافية، واقتراح المواقع والبرامج والمطاعم والفنادق ووسائل النقل والأنشطة المناسبة.

كما يمكنه أن يتعرف إلى اهتمامات السائح وأن يقترح عليه تجارب جديدة أثناء وجوده في الأردن.

وهنا تتحول التكنولوجيا من وسيلة للترويج إلى جزء من المنتج السياحي نفسه.

وهذا ما يجب أن نفكر فيه عندما نتحدث عن تطوير السياحة الأردنية في المستقبل.

من البترا إلى سور الصين العظيم

ومن الفرص المهمة التي يمكن البناء عليها في العلاقات السياحية الأردنية الصينية العلاقة بين البترا وسور الصين العظيم.

فقد شهدت العلاقات بين الجانبين تعاونًا في مجال التراث والسياحة، بما يفتح المجال أمام تبادل الخبرات والتجارب في إدارة المواقع التراثية والترويج لها.

لكن لماذا لا ننتقل خطوة إضافية؟

لماذا لا تكون هناك توأمة رقمية بين البترا وسور الصين العظيم؟

يمكن إنشاء تجربة رقمية مشتركة تتيح للزائر في الصين أن يستكشف البترا بتقنيات ثلاثية الأبعاد والواقع الافتراضي، وفي المقابل يستطيع الزائر في الأردن أن يستكشف سور الصين العظيم بالطريقة نفسها.

ويمكن أن يتحول المشروع إلى معرض سياحي رقمي دائم يربط بين حضارتين عريقتين، ويقدم قصصهما وتراثهما للأجيال الجديدة بلغة التكنولوجيا.

إنها فكرة يمكن أن تجعل من التعاون بين البترا وسور الصين العظيم نموذجًا عالميًا في التراث والسياحة الرقمية.

Trip.com.. من منصة للحجز إلى شريك في صناعة التجربة

وهنا تأتي أهمية لقاء جلالة الملك مع مجموعة Trip.com.

فالفرصة ليست فقط في أن يظهر الأردن على منصة للحجز والسفر، وإنما في بناء شراكة استراتيجية تساعد على الوصول إلى السائح الصيني في المكان الذي يبحث فيه عن رحلته ويخطط لها ويحجزها.

والأهم من ذلك أن نعمل على تصميم منتج سياحي أردني مخصص للسائح الصيني، لا أن نكتفي بترجمة البرامج السياحية الموجودة إلى اللغة الصينية.

فالسائح الصيني له خصوصيته واهتماماته وتوقعاته، ولذلك يجب أن نفهم سلوكه وأن نصمم له تجربة تتناسب مع احتياجاته.

ويمكن التعاون مع Trip.com والمنصات الصينية الأخرى في تطوير حملات تسويقية ذكية، وحزم سياحية، وتجارب رقمية، وبرامج متخصصة، وربط التسويق بالحجز الفعلي.

وهذا ما يجعل الزيارة الملكية فرصة حقيقية يمكن البناء عليها وتحويلها إلى أرقام ملموسة في أعداد السياح والليالي السياحية والإنفاق السياحي.

الأرقام تؤكد أن الفرصة موجودة

إن السوق الصينية ليست سوقًا افتراضية أو بعيدة عن الأردن.

فقد بلغ عدد السياح الصينيين القادمين إلى الأردن خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 نحو 11,931 سائحًا، مقارنة بـ10,294 خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تقارب 16 بالمئة.

وهذا النمو، وإن كان لا يزال دون الطموح، يؤكد أن هناك طلبًا يمكن البناء عليه.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: كيف نضاعف هذه الأعداد؟

بل: كيف نجعل كل سائح صيني يأتي إلى الأردن بوابة لسائحين آخرين؟

وهنا يأتي دور التجربة الرقمية.

فالسائح الذي يعيش تجربة إيجابية، وينشر صوره وتجاربه عبر المنصات الرقمية، يمكن أن يصبح سفيرًا للأردن في بلده.

الجامعات شريك أساسي في التحول

ولا يمكن أن تنجح هذه الرؤية من دون الاستثمار في الإنسان.

فالانتقال إلى السياحة الذكية يحتاج إلى كوادر تجمع بين المعرفة السياحية والمعرفة التكنولوجية.

ونحن بحاجة إلى تطوير برامج جامعية وتدريبية جديدة تجمع بين السياحة والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والواقع الافتراضي، والواقع المعزز، والتسويق الرقمي، وتصميم التجارب السياحية الذكية.

وهنا يمكن للجامعات الأردنية أن تبني شراكات مع الجامعات والشركات الصينية، وأن تطور برامج تبادل وتدريب ومشاريع بحثية مشتركة في مجال السياحة الرقمية والذكية.

فمستقبل السياحة لن يكون فقط لمن يعرف كيف يقدم الخدمة، وإنما لمن يعرف أيضًا كيف يصمم تجربة رقمية متكاملة للسائح.

البيانات.. البوصلة الجديدة للسياحة

ومن المجالات التي يمكن للأردن أن يستفيد فيها من التجربة الصينية تحليل البيانات السياحية.

فالبيانات أصبحت من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الوجهات السياحية الحديثة لمعرفة سلوك الزائر واحتياجاته وتفضيلاته.

ماذا يبحث السائح الصيني؟

ما المواقع التي يهتم بها؟

كم يومًا يريد أن يقضي في الأردن؟

ما مستوى الإنفاق المتوقع؟

ما نوع الفنادق التي يفضلها؟

ما الأنشطة التي يبحث عنها؟

عندما تصبح هذه المعلومات متاحة لصانع القرار السياحي، يمكن الانتقال من التسويق المبني على التوقعات إلى التسويق المبني على المعرفة والبيانات.

وهذا من أهم عناصر السياحة الذكية.

لا نريد سائحًا صينيًا فقط.. نريد شراكة صينية أردنية

إنني أعتقد أن علينا أن نعيد تعريف العلاقة السياحية بين الأردن والصين.

فالصين بالنسبة للأردن ليست فقط سوقًا سياحيًا نريد استقطاب زواره.

الصين يمكن أن تكون شريكًا في تطوير مستقبل السياحة الأردنية.

الأردن يمتلك الحضارة والتاريخ والطبيعة والتنوع والمواقع السياحية الفريدة.

والصين تمتلك سوقًا سياحيًا ضخمًا، وخبرات واسعة في التكنولوجيا والتحول الرقمي، وشركات ومنصات تستطيع الوصول إلى ملايين المسافرين.

وهنا تلتقي عناصر القوة لدى الطرفين.

الأردن يمتلك القصة، والصين تمتلك أدوات الوصول إلى جمهور واسع في العصر الرقمي.

والمطلوب هو أن نجمع بينهما في شراكة استراتيجية.

نحو استراتيجية أردنية صينية للسياحة الذكية

ربما يكون الوقت مناسبًا للتفكير في إعداد استراتيجية أردنية صينية للسياحة الذكية، تتضمن عددًا من المبادرات العملية.

منها إنشاء منصة «الأردن الافتراضي» باللغة الصينية، وتطوير جولات افتراضية للمواقع السياحية الأردنية، وإنشاء مساعد سياحي أردني ذكي باللغة الصينية، وتطوير التوأمة الرقمية بين البترا وسور الصين العظيم، وإطلاق حملات تسويقية ذكية بالتعاون مع المنصات الصينية، وتبادل الخبرات في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي، وإنشاء برامج تدريبية وأكاديمية مشتركة.

كما ينبغي أن تترافق هذه الجهود مع تطوير الربط الجوي، والخدمات السياحية، والمعلومات باللغة الصينية، وتهيئة المنشآت السياحية والفندقية لتلبية احتياجات السائح الصيني.

فالتكنولوجيا وحدها لا تكفي.

التسويق يجذب السائح، لكن جودة التجربة هي التي تجعله يعود ويتحدث عن الأردن.

من انتظار السائح إلى الوصول إليه

لقد اعتدنا في التسويق السياحي التقليدي أن ننتظر السائح حتى يبحث عن الأردن.

أما السياحة الذكية فتفترض أن نذهب نحن إليه.

نصل إليه في هاتفه، وفي المنصات التي يستخدمها، وفي التطبيقات التي يثق بها، وفي المحتوى الذي يشاهده، وفي التجارب الافتراضية التي يعيشها.

وهنا تكمن أهمية التحول الرقمي.

فالسؤال لم يعد:

كيف نقنع السائح بزيارة الأردن؟

بل أصبح:

كيف نجعل الأردن حاضرًا في ذهن السائح قبل أن يقرر أين سيذهب؟

فرصة تاريخية

إن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين، وما رافقها من اهتمام واضح بالقطاع السياحي ولقاء مجموعة Trip.com، تمثل فرصة مهمة أمام الأردن لإعادة صياغة علاقته السياحية مع الصين على أسس جديدة.

علينا ألا نتعامل مع هذه الزيارة باعتبارها حدثًا عابرًا، وإنما باعتبارها فرصة لإطلاق مرحلة جديدة من التعاون.

مرحلة لا يكون عنوانها فقط زيادة أعداد السياح الصينيين، وإنما بناء شراكة سياحية ذكية تستفيد من الخبرات الصينية في التكنولوجيا والتحول الرقمي، وتستثمر في الوقت نفسه في الثروة السياحية والحضارية التي يمتلكها الأردن.

لقد حافظ الأردن على مواقعه الحضارية والتراثية آلاف السنين.

والتحدي اليوم هو أن نستخدم أدوات القرن الحادي والعشرين لنحافظ على حضور هذه المواقع في ذاكرة العالم، وأن نقدمها للأجيال الجديدة بلغة يفهمونها ويستخدمونها.

فربما لا يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة:

كم سائحًا صينيًا سيزور الأردن؟

بل السؤال الأهم:

كم شخصًا في الصين سيعيش تجربة الأردن رقميًا اليوم، ليقرر غدًا أن يأتي ويعيشها على أرض الواقع؟

ومن هنا يمكن أن تبدأ قصة جديدة:

من البترا إلى سور الصين العظيم، ومن السياحة التقليدية إلى السياحة الذكية، ومن الترويج للوجهة إلى صناعة التجربة، ومن استقبال السائح إلى بناء شراكة تصنع مستقبل السياحة.

وهذه، في تقديري، هي الفرصة التي ينبغي ألا يفوّت الأردن الاستفادة منها.


مواضيع قد تهمك