أ. د. مصطفى محمد عيروط : إنصاف المتقاعدين المدنيين قبل عام 2012… حق وطني لا يحتمل التأجيل
أجاد النائب خميس حسين عطية في مخاطبة دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، والمطالبة بإنصاف المتقاعدين المدنيين الذين أحيلوا إلى التقاعد قبل عام 2012، وهي قضية تستحق أن تحظى باهتمام حكومي ونيابي جاد؛ لأن هؤلاء لم يكونوا مجرد موظفين انتهت خدمتهم، بل كانوا أبناء دولة أفنوا أجمل سنوات عمرهم في خدمة الوطن ومؤسساته ووزاراته ودوائره.
إنصاف هؤلاء المتقاعدين ليس منّة ولا مكافأة استثنائية، وإنما هو عدالة وإنصاف ورد اعتبار لمن خدموا الدولة سنوات طويلة. فهناك متقاعدون خدموا أكثر من 25 عاماً، ثم وجدوا أنفسهم بعد التقاعد برواتب لا تتناسب مع سنوات خدمتهم أو درجاتهم الوظيفية، حتى إن بعض المتقاعدين في الدرجة الخاصة لا يتجاوز راتب تقاعده، وفق ما يُتداول، نحو 367 ديناراً، وهناك حالات مشابهة في مختلف الدرجات.
والأكثر إيلاماً أن بعض الموظفين الأكفاء أُحيلوا إلى التقاعد أو الاستيداع في مراحل سابقة، أحياناً بقرارات لم تكن مرتبطة بالكفاءة أو الأداء، وإنما بتصفية حسابات شخصية أو نتيجة تغييرات إدارية لم يكن للموظف فيها ذنب. ومن غير العدل أن يتحمل هؤلاء نتائج قرارات اتخذت بحقهم، ثم يبقوا بعد عقود من الخدمة أمام أوضاع تقاعدية صعبة.
إن المتقاعد المدني كالمتقاعد العسكري جندي من جنود الدولة ولكن بصفة متقاعد. خدم وطنه في التعليم والإعلام والإدارة والصحة والبلديات والوزارات والمؤسسات والدوائر المختلفة، وكان جزءاً من بناء الدولة الأردنية الحديثة. ولذلك فإن واجب الدولة لا ينتهي بمجرد انتهاء الخدمة؛ بل يستمر في حفظ كرامته وتأمين حياة كريمة له ولأسرته.
وقد آن الأوان لفتح ملف المتقاعدين المدنيين قبل عام 2012 بصورة مؤسسية، ودراسة أوضاعهم بروح العدالة، بعيداً عن الحسابات المالية المجردة. ففاتورة التقاعد ليست رقماً فقط، وإنما هي فاتورة وفاء تجاه أجيال خدمت الدولة.
ومن المهم كذلك إعادة النظر في آليات زيادة الرواتب التقاعدية، بحيث تكون هناك زيادات دورية أكثر عدالة، وربطها بصورة مدروسة بمعدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، حتى لا تتآكل القوة الشرائية للمتقاعد عاماً بعد عام.
كما أن استثمار أموال التقاعد والضمان الاجتماعي بصورة كفؤة ومستدامة يجب أن يكون جزءاً من هذه المعادلة، لأن نجاح استثمارات أموال التقاعد يعود بالنفع في النهاية على المؤمن عليهم والمتقاعدين وعلى الاقتصاد الوطني، وليس من المنطقي أن تبقى الزيادة السنوية في بعض الحالات محدودة جداً في الوقت الذي ترتفع فيه تكاليف الغذاء والدواء والسكن والخدمات.
وفي دول كثيرة حول العالم، لا ينظر إلى المتقاعد باعتباره عبئاً، بل باعتباره صاحب حق وتاريخ وخبرة. ولذلك نجد برامج وخصومات وخدمات اجتماعية وصحية وسياحية ومواصلات مخصصة للمتقاعدين، تقديراً لما قدموه خلال سنوات العمل.
ومن هنا، فإن الاستماع إلى المتقاعدين وقراءة ملاحظاتهم وتعليقاتهم حول المطالبة بإنصاف المتقاعدين المدنيين قبل عام 2012 يكشف حجم الشعور بالحاجة إلى معالجة هذا الملف. فالمتقاعد لا يطالب بالترف، وإنما يطالب بأن يعيش ما تبقى من عمره بكرامة، وأن يشعر بأن الدولة التي خدمها لم تنسَ سنوات عطائه.
والشكر موصول للنائب خميس حسين عطية، ولكل نائب أو عين أو مسؤول يتبنى هذا المطلب، لأنهم يعبرون عن صوت شريحة من أبناء الوطن الذين خدموا الأردن باعتزاز وفخر، وينتظرون إنصافاً يليق بعطائهم.
إن إنصاف المتقاعدين المدنيين قبل عام 2012 خطوة وطنية وإنسانية وعدالة اجتماعية، وأملنا كبير بأن تنظر الحكومة برئاسة دولة الدكتور جعفر حسان إلى هذا الملف بعين المسؤولية والإنصاف، وأن تتم دراسة الحلول الممكنة ضمن الإمكانات المالية للدولة.
فالمتقاعد الأردني، المدني والعسكري، هو ابن الدولة، وخدمها في شبابه، ومن حقه أن يجدها إلى جانبه في مرحلة التقاعد.
وفي ظل القيادة الهاشمية الحكيمة لجلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، التي أرست قيم العدالة والتسامح والوفاء، يبقى الأمل قائماً بأن تصل هذه الرسالة إلى أصحاب القرار، وأن يجد المتقاعدون المدنيون قبل عام 2012 معالجة عادلة تحفظ كرامتهم وترد لهم شيئاً من جميل سنوات خدمتهم.
مصطفى محمد عيروط