اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

اسماعيل الشريف : المخترع يتمرّد على اختراعه

اسماعيل الشريف : المخترع يتمرّد على اختراعه
أخبارنا :  

إن تطوير ذكاء اصطناعي كامل قد يعني نهاية الجنس البشري – ستيفن هوكينغ، عالم فيزياء.

قبل سنوات طويلة شاهدتُ فيلم الرعب الشهير الفأل The Omen تبدأ الحكاية بطفلٍ متبنّى يبدو وديعًا بريئًا، لكن سلسلة من الحوادث الغامضة تكشف تدريجيًا أنه ليس طفلًا عاديًا، بل تجسيدٌ للشر المطلق. ومع تكشّف الحقيقة، يتسرّب الرعب إلى قلبي والديه، اللذين يجدان نفسيهما أمام خيارات صعبة، حتى يصل بهما الأمر إلى التفكير في قتله. الفكرة التي يطرحها الفيلم مرعبة في بساطتها: ماذا لو كان الشر يسكن أحضانك؟ ماذا لو كان جزءًا منك ثم اكتشفت أنه عدوّك؟ هنا يتحوّل الحب الأبوي من أسمى مشاعر الرعاية إلى صراعٍ أخلاقي بين العاطفة والواجب، بين القلب والضمير.

عاد ذلك الفيلم إلى ذهني وأنا أتابع مقابلة جيوفري هنتون، الذي يُلقَّب بعرّاب الذكاء الاصطناعي وأبِ الشبكات العصبية الحديثة، وهو يوجّه نقدًا صريحًا لمستقبل اختراعه وتطبيقاته. لقد شكّلت أبحاثه في ثمانينيات القرن الماضي حجر الأساس الذي قامت عليه تقنيات اليوم، من نماذج مثل شات جي بي تي إلى أنظمة التعرّف على الصور، التي أعادت صياغة علاقتنا بالآلة والعالم. وبفضل إسهاماته الثورية نال جائزة نوبل، ثم التحق بشركة غوغل عقب استحواذها على شركته البحثية، لكنه آثر مغادرتها ليتمكّن من الحديث بحرية عن المخاطر المتصاعدة للذكاء الاصطناعي بعيدًا عن حسابات الشركات وضغوطها.

لذلك فإن أي تصريح يصدر عنه في هذا المجال لا يُؤخذ باستخفاف، بل يُستقبل باهتمامٍ بالغ. قبل أيام، خلال مقابلة على قناة بلومبيرغ، قال بصراحة: «لن تتمكّن شركات التكنولوجيا من تحقيق أرباح حقيقية من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي ما لم تستغنِ عن جزءٍ من العمالة البشرية». بعبارة أخرى، فإن الرجل الذي أسهم في تأسيس هذه الثورة التقنية يقرّ بأن ازدهارها الاقتصادي قد يتحقق على حساب العمال، وأن الأرباح المرجوّة منها قد تُبنى على تقليص الدور البشري ذاته.

يتّضح هنا أن الدافع الاقتصادي الحقيقي وراء الذكاء الاصطناعي ليس بالضرورة رفع الإنتاجية أو تحسين مستوى الخدمات، بقدر ما هو تعظيم الأرباح. وإذا كانت الكلفة الأكبر في أي مؤسسة تتمثل في الرواتب والأجور، فإن الطريق الأقصر إلى الربح يمرّ عبر تقليص هذه الكلفة، أي عبر تقليص البشر أنفسهم. وهكذا يصبح الموظفون أول من يدفع ثمن الثورة التقنية.

ويردّ هنتون على أباطرة المال الذين يروّجون لفكرة أن الذكاء الاصطناعي سيخلق وظائف جديدة، مؤكدًا أن جوهر أطروحته يقوم على إلغاء الوظائف لا توليدها. ويرى أن هذه الثورة تختلف جذريًا عن سابقاتها؛ فالثورات الصناعية السابقة أزاحت مهنًا، لكنها أوجدت في المقابل قطاعات جديدة. فعندما انحسرت الوظائف المرتبطة بالخيل، نشأت صناعة السيارات، وازدهرت معها مصانع قطع الغيار ومحطات الوقود. أما اليوم فنحن أمام ثورة معلوماتية لا تستبدل قطاعًا بآخر، بل تُقصي قطاعات كاملة دون أن تخلق بدائل موازية، ما يجعل أثرها على سوق العمل أخطر وأشدّ قسوة.

وتأتي الأرقام لتعضّد هذا الطرح؛ فمعدلات البطالة في الأردن بلغت 21.4 %، في ظل عجز الحكومات المتعاقبة عن كبح مسارها التصاعدي. ولولا ما وفّرته تطبيقات النقل والتوصيل من فرص عمل مؤقتة وهامشية، لكانت النسبة قد بلغت مستويات أكثر خطورة. كما أظهرت دراسة صادرة عن جامعة ستانفورد أن نسب توظيف العمال الشباب في القطاعات التي تبنّت الذكاء الاصطناعي تراجعت بين 13 % و16 %، في حين سجّل العمال الأكبر سنًا نموًا في فرصهم الوظيفية. ويبدو أن الشركات تميل، في هذه المرحلة، إلى الاستغناء عن الموظفين المبتدئين الذين يسهل استبدال مهامهم آليًا، مقابل الحفاظ على أصحاب الخبرة الذين ما تزال خبراتهم تضيف قيمة يصعب تعويضها بالكامل.

لكن أخطر ما يحذّر منه هنتون ليس الذكاء الاصطناعي في ذاته، بل البنية الاجتماعية التي نعيش في ظلّها. فمجتمعاتنا قائمة على معادلة واضحة: الوظيفة هي مصدر الدخل، وهي صمّام الأمان. وحين تغيب الوظيفة، يغيب معها الاستقرار. ومن ثمّ فإن إلغاء الوظائف على نطاق واسع لا يعني مجرد تحوّل اقتصادي، بل زلزالًا يضرب أساس البناء الاجتماعي. فإذا انهار التوظيف، تزعزع العمود الذي تستند إليه المجتمعات، وأصبحت مهدّدة بالتصدّع.

فإن كان تقديره صائبًا، وهو يحمل في طيّاته قدرًا معتبرًا من الحقيقة، فإن الترف الفكري لم يعد خيارًا. المطلوب أن نستعد لما هو قادم، وأن نتحرّك من موقع المراقب القلق إلى موقع الفاعل المستعد، قبل أن يفرض المستقبل شروطه علينا.


مواضيع قد تهمك