اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

حسام عايش : هوية الاقتصاد المحلي

حسام عايش : هوية الاقتصاد المحلي
أخبارنا :  

في النقاش، بشأن مشروع قانون الادارة المحلية، تقدم مسألة الانتخاب والتعيين باعتبارها مفاضلة بين كفاءة سياسية وكفاءة فنية، او بين خبرة شعبية وخبرة ادارية، وهي مفاضلة لا تكفي لفهم القضية الاقتصادية ذات الصة بالادارة المحلية، لان السؤال، ليس فقط من يستطيع ادارة الحكم المحلي بكفاءة، وانما من يملك الحق في تحديد اولويات المجتمع المحلي، ومن يتحمل مسؤولية النتائج عندما تنجح السياسات او تفشل.

في الادارة المحلية، عندما توسع الاختيار بالتعيين على حساب الاختيار بالانتخاب، تبقى مؤسسات تلك الادارة موجودة، لكن حافز المسؤول يصبح مرتبطا بالجهة التي عينته اكثر من ارتباطه بالمجتمع الذي يتأثر بقراراته.

هنا تظهر المشكلة الاقتصادية بوضوح، فالمواطن عندما ينتخب مجلسا محليا، او مجلس محافظة، فهو يمنحهما تفويضا لتحديد الاولويات التي تمس حياته اليومية، ومستقبل منطقته، ما يعني ان الانتخاب في هذه الحالة ليس مجرد اجراء سياسي، بل آلية اقتصادية للمساءلة.

اما عندما تكون القرارات الاساسية بيد مسؤولين معينين، فان المواطن قد يجد نفسه مطالبا بقبول ما يقرره من لا يعتمدون في بقائهم على رضاه؛ ما يضعف العلاقة بين القرار والمساءلة.

لذلك يجب التمييز بين وظيفة اختيار الاتجاه والاولويات، وهي وظيفة سياسية ومجتمعية في جوهرها، ووظيفة التنفيذ الفني والاداري، وهي وظيفة تحتاج بالفعل الى الخبرة والاستقرار والتخصص، حيث الخطأ يبدأ عندما تستخدم الحاجة الى الخبرة الفنية لتبرير نقل مسؤولية تحديد الاولويات نفسها من الشخص المنتخب الى الشخص المعين، حيث تظهر قيمة مجلس المحافظة المنتخب، وبالذات في سياق تحديث سياسي واقتصادي واداري تتجه فيها الدولة نحو توسيع المشاركة الشعبية بشانها.

الادارة المحلية، ليست مجرد مستوى اداري اصغر من الحكومة المركزية، بل تعتبر المدرسة الاولى لاختبار المواطنة الاقتصادية والسياسية، ففي مجالس البلديات والمحافظات يتعلم المواطن معنى الاختيار، ويرى كيف تتحول نتائج الانتخابات الى سياسات، وكيف تتحول السياسات الى مشاريع، وكيف تستخدم الاموال العامة، و كيف يحاسب المسؤول عندما لا تتحقق النتائج.

وعليه، فالمواطن الذي لا يشارك في تحديد اولويات بلدته او مدينته او محافظته، سيكون من الصعب عليه بناء ثقة عميقة بعملية سياسية اوسع، وبعائد اقتصادي اشمل.

والمواطن، الذي ينتخب مجلسا محليا دون انتخاب المجالس الاخرى، سيكتشف ان القرارات الحقيقية ما زالت بيد جهات معينة؛ ما قد يفقده الثقة بفكرة الانتخاب نفسها.

من هنا، فان توسيع التعيين في الادارة المحلية، حتى لو كان مبرره تحسين الكفاءة والانتاجية، يحمل مخاطر يجب الانتباه اليها لان الامر لا يتعلق بوجود معينين، وانما بتحول التعيين تدريجيا من اداة فنية الى بديل عن التفويض الشعبي، وهذا هو الفارق الجوهري بين استخدام التعيين بشكل صحيح، واستخدامه كوسيلة لادارة المؤسسات من خارج تفويض المجتمع المحلي.

ولعل اكثر ما يتاثر بذلك الاقتصاد المحلي، الذي يحتاج الى الحوافز مستدامة قائمة على ماسسة العلاقة بين السلطة والمسؤولية والنتيجة.

فكلما كان نظام اختيار المسؤولين متسقا، بالانتخاب او حتى بالتعيين لجميع مستويات الادارة المحلية، كان من السهل تصميم حوافز اقتصادية مستقرة ذات عائد تنموي تراكمي، لكن كلما كان نسق الاختيار مختلطا بين الانتخاب والتعيين، فانه يفقد الادارة المحلية هويتها، ويجعل الحوافز محل تجاذب بسبب تداخل مرجعيات المنتخبين والمعينين، ما يضع حواجز امام الانجاز، ويؤدي الى حزازيات لا تخدم الادارة المحلية الاقتصادية والتنموية.

هنا تظهر الفلسفة الاقتصادية الاكثر ملاءمة للادارة المحلية: ديمقراطية في اختيار الاولويات، ومهنية في التنفيذ.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك