غسان الطالب : الصناعة المصرفية الإسلامية وإستراتيجية التخطيط
قد يتساءل البعض عن الظروف والعوامل التي سرعت الانتشار الواسع للصناعة المصرفية الإسلامية في العديد من المجتمعات وبلدان العالم، حيث كان ليس من السهل الوصول إليها في ظروف اقتصادية عادية. والإجابة هي يقيننا بموضوعية وصحة منهجها الفلسفي، لكن لا ننكر الدور والفرصة التي أوجدتها الأزمات الاقتصادية التي عرفها العالم خلال عقدين من الزمن، بدءا بالأزمة الاقتصادية في العام 2008، ثم أزمة "كورونا"، وقبل أن يتعافى العالم من هذه الأزمات حلت الأزمة التي أوجدتها الحرب الأميركية الصهيونية الإيرانية التي وضعت اقتصاد العالم في مأزق، خاصة مع إغلاق مضيق باب السلام "هرمز" الممر الذي يغذي العالم بما يقرب من 25 % من احتياجياته من النفط والغاز، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بسلاسل التوريد على مستوى العالم. واليوم، يتساءل العديد من خبراء الاقتصاد في العالم هل العالم مقبل على مرحلة جديدة من مراحل الكساد الكبير أو الانهيار في المنظومة الاقتصادية العالمية؟ ويبدو السؤال منطقيا لما يشهده العالم اليوم من انتكاسات اقتصادية وتراجع لمعدلات النمو الاقتصادي في العديد من دول العام.
ما وددنا الحديث عنه بعد هذه المقدمة، هو هل نحن جاهزون لمواجهة أي تطور جديد قد تتعرض له الصناعة المصرفية الإسلامية في وجود تحديات خارجة عن إرادتنا، وهل يمكن لها أن تكون ذاك اللاعب نفسه في مواجهة الأزمات الاقتصادية السابقة، فمما لا شك فيه أن هناك العديد من التحديات التي تتطلب وضع إستراتيجية مدروسة ووضع خطط لأسوأ الاحتمالات تسمح لنا الثبات في وجه العاصفة في حال وقوعها، إذا كانت لا تسمح لنا المعطيات العالمية والمحلية بالمساهمة في التخفيف من حدتها على الأقل، ويمكن لنا الإشارة إلى بعض هذه التحديات وإيجازها بما يأتي:
- عدم استقرار أسعار النفط وتراجع مستوى تصديرة بسبب إغلاق المضيق، وانعكاس ذلك على اقتصادات الدول المصدرة له ومنها السعودية ودول الخليج العربي التي تعتير الحاضنة الرئيسية للنشاط المصرفي الاسلامي، إضافة إلى النشاط الذي تشهده هذه الدول في إصدارات الصكوك الإسلامية. ومع استمرار هذا الوضع فإنه من الممكن أن يؤثر على نمو حجم الأصول لديها، إضافة إلى ما يمكن أن تتعرض له هذه الدول من اختلالات ومشاكل في موازناتها تعيق تحقيق نمو اقتصادي طموح يشكل أرضية مناسبة لزيادة حجم مساهمة قطاع المصارف الإسلامية فيه.
- التقلبات الاقتصادية التي تتعرض لها بعض الدول الرأسمالية التي سبق وأن أبدت رغبتها في احتضان بعض النشاطات المالية الإسلامية ففي أوروبا مثلا، تسعى لندن إلى أن تكون عاصمة للمالية الإسلامية على مستوى العالم في منافسة شديدة مع دبي وكوالامبور، وتبعها تحرك سريع من أمانيا وفرنسا وروسيا وإلى حد ما إسبانيا التي تعاني من ارتفاع في معدل البطالة وتراجع معدل النمو الاقتصادي لديها، وكما هو الحال في اقتصادات بقية دول العالم المتداخلة في علاقاتها، واستمرار تأثرها بإرهاصات الأزمات الاقتصادية العالمية، وهكذا هو حال دول العالم اليوم وضبابية المستقبل الاقتصادي لها.
- ولا يغيب عن البال عدم الاستقرار السياسي الذي تشهده العديد من الدول العربية والإسلامية في المنطقة، خاصة بعد اندلاع الحرب الحالية التي تدور رحاها على مقربة من دول الخليج العربي، الأمر الذي انعكس على تراجع فرص الاستثمار وهجرة رؤوس الأموال إلى أماكن أكثر أمانا.
- التهديد بإغلاق باب المندب على البحر الأحمر، الذي إذا حصل فعلا فسيؤدي إلى نتائج كارثية على اقتصادات دول المنطقة خاصة، وعلى الاقتصاد العالمي عامة.
وعلينا أن نستعد لهذا التحدي وبكل ثقة؛ فكما تجاوزنا نتائج الأزمة المالية العالمية التي تداعت أمامها وانهارت أضخم المؤسسات المصرفية العالمية؛ فإن قطاع المصرفية الإسلامية يمتلك إمكانات اقتصادية مادية وأخلاقية اذا أحسنا استخدامها، فسنواجه جميع هذه النحديات ونتجاوز نتائجها ولو بعد حين.
* باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي
ــ الغد