أ. د. مصطفى محمد عيروط : الاختيار الصحيح عالميا يصنع النجاح… والاختيار الخاطئ عالميا يصنع الاحتقان
ليس أخطر على أي مؤسسة أو جامعة أو وزارة أو هيئة أو موقع عالميا مسؤولية من أن يكون الاختيار فيه مبنيًا على غير الكفاءة.
فالاختيار ليس مجاملة، وليس إرضاءً لأحد، وليس وسيلة لتوزيع المواقع، وإنما هو قرار يتعلق بمصلحة أي مكان في العالم وحقوق الناس ومستقبل المؤسسات.
الاختيار الصحيح هو بداية الإصلاح، والاختيار الخاطئ هو بداية التراجع.
عندما يكون اختيار الشخص لأي موقع قائمًا على الكفاءة والخبرة والإخلاص، والتأهيل العلمي العالي، والقدرة على الإنجاز، وحسن المتابعة، والنزاهة، والقدرة على التواصل والتفاعل الإيجابي مع المجتمع، فإن المؤسسة تكون أمام فرصة حقيقية للتقدم. فالمسؤول الكفؤ لا يحتاج إلى شعبوية ولا إلى تبرير مستمر، لأن إنجازه يتحدث عنه، ونتائجه تكون شاهدة عليه
.
ومن المهم أن يكون هناك وضوح وشفافية في الاختيار، وأن تُنشر السيرة الذاتية لمن يتم اختياره، بما يوضح مؤهلاته وخبراته ومسيرته العملية وإنجازاته. فالناس عندما تعرف لماذا اختير شخص ما، وما الذي يؤهله للموقع، تصبح أكثر قدرة على فهم القرار وتقبله. وتمكينها من الطعن بتعيين اي اختيار غير صحيح
أما الاختيار غير الصحيح، القائم على الواسطة والمحسوبية والإرضاءات والشعبويات والمناطقية الضيقة، فإنه لا يضر شخصًا بعينه فقط، بل يضر المؤسسة واي بلد تتم فيه ممارسات الاختيار غير الصحيح. وعندما يشعر الناس بأن الكفاءة لم تكن معيارًا، وأن المعايير الحقيقية كانت مختلفة، يبدأ التذمر، ثم يتسع الاحتقان، وتضعف الثقة، ويصبح الإنجاز أصعب
.
والتاريخ الحديث في مناطق عالميه يقدم دروسًا مهمة. فقد كانت أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية متعددة ومتراكمة وراء ما حدث فيها ومن بينها في بعض البيئات ضعف العدالة في الفرص وشعور قطاعات من الناس بالتهميش وغياب تكافؤ الفرص. وقد استغلت جماعات متطرفة ظلاميه وإقصائية هذه المشاعر للتحريض والفتن ونشر الإشاعات والافتراءات، وهو ما يؤكد أن معالجة أسباب الاحتقان تكون بالعدالة والكفاءة والشفافية، وليس بترك المجال لمن يستثمر غضب الناس.
إن الحل ليس معقدًا،
فيحتاج الموضوع عالميا إلى لجان اختيار مهنية وموضوعية، وإلى معايير واضحة ومعلنة، وإلى بنك معلومات وطني أو مؤسسي يضم الكفاءات والخبرات في مختلف المناطق والتخصصات، بحيث لا تبقى الكفاءات المتميزة مجهولة، ولا تصبح الجغرافيا أو العلاقات الشخصية معيارًا للتعيين.
ومن حق أي منطقة في أي بلد فوق الارض أن تجد أبناءها الأكفاء في مواقع المسؤولية، لكن ليس من حق المناطقية أن تتقدم على الكفاءة.
فالعدل الحقيقي لا يعني أن يكون لكل منطقة حصة، وإنما أن يحصل كل كفؤ على فرصته العادلة أينما كان.
إن الاختيار الصحيح يحقق أكثر من مجرد تعيين شخص في موقع؛ فهو يرفع مستوى المؤسسة العامه او الخاصه، ويعزز ثقة المجتمع، ويقلل الاحتقان، ويغلق أبواب الشائعات، ويضعف قدرة المحرضين الظلاميين الاقصائيين على استغلال الناس.
وعندما يرى المواطن في أي مكان عالميا أن الموقع ذهب إلى الشخص الأكثر كفاءة وخبرة وقدرة على الإنجاز، وأن معايير الاختيار واضحة، وأن السيرة الذاتية والإنجازات متاحة للجميع، يصبح من الصعب على أي محرض أو مفتري أو صاحب أجندة أن يقنع الناس بأن الدولة أو المؤسسة تدار بالمحسوبية.
لقد أصبح العالم بحاجة إلى ثقافة جديدة تقول بوضوح:
الموقع مسؤولية وليس مكافأة، والكفاءة حق وليست واسطة، والإنجاز هو معيار البقاء، واي وطن أكبر من الأشخاص والمناطق والعلاقات.
إن الاختيار الصحيح لا يصنع مسؤولًا ناجحًا فقط، بل يصنع مؤسسة ناجحة، ويصنع ثقة، ويصنع استقرارًا، ويغلق أبواب الفتنة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل تعيين أو تكليف ليس: من يتم ارضاؤه ؟ ومن أي منطقة هو؟، وإنما:
من هو الأقدر على خدمة بلده؟ ومن يملك الكفاءة والخبرة والإخلاص والقدرة على الإنجاز؟
عندما يصبح هذا هو السؤال الأول والأخير، فإن أي مؤسسه تكون قد وضعت أقدامها على الطريق الصحيح.
فاي بلد عالميا لا يحتمل اختيارات خاطئة، والمواقع العامة ليست مجالًا للتجربة والمجاملة؛ لأنها أمانة، والأمانة لا يحملها إلا الأكفاء.
مصطفى محمد عيروط