اسماعيل الشربف : مقالات
توجد دوافع الكتابة بدرجات مُتفاوِتة لدى كل كاتِب، كما تتغيّر نِسبها لدى الكاتب نفسه من وقتٍ إلى آخر - جورج أورويل.
في لقاء جمع بعض الأصدقاء وعددًا من أبرز الكتّاب الأردنيين المهتمين بالشأن العام، طرح صديق عزيز فكرة تنمّ عن محبته للأردن، مفادُها أن تُوجِّه الدولة كُتّاب الصحف نحو الانشغال بالقضايا المحلية؛ إذ ثمة مئات الحوادث التي تجري يوميًّا في مختلف أرجاء البلاد دون أن تجد من يسلّط الضوء عليها، ناهيك عن قصص الفقر والاختلالات الخدمية المهمَلة في بعض المناطق. ولم يغفل صديقي، بطبيعة الحال، عن التحديات الإقليمية التي يواجهها الأردن، وفي طليعتها الأطماع الصهيونية فيه، وسياسات الاحتلال في فلسطين، وما يمثّله ذلك من تهديد له.
كان لديّ الكثير مما أرغب في قوله، غير أنني فضّلت التزام الصمت مراعاةً لآداب الضيافة. كنت أرغب في أن أوضح له أن الحكومات، في العموم، لا تتدخل في مضامين ما ينشره كتّاب الصحف الأردنية؛ فنحن لسنا دولة ذات نظام شمولي. وعلى مدى سنوات عملي بالكتابة، لم يتصل بي أحد قط طالبًا أن أتناول موضوعًا محددًا، باستثناء مناسبة وحيدة طلب فيها مني رئيس التحرير أن أكتب مقالًا بمناسبة الذكرى السنوية لتأسيس صحيفة الدستور.
استفسرت من عدد من الكتّاب الذين يتقدمونني مكانةً وانتشارًا عمّا إذا كانوا قد تعرضوا لتوجيهات معينة خلال مسيرتهم المهنية، فجاءت إجاباتهم جميعًا بالنفي. صحيح أن للحكومات ومؤسسات الدولة كتّابًا مُقرّبين منها يعبّرون عن رؤيتها ويدافعون عن قراراتها، إلا أن هذا الأمر شائع أيضًا في الديمقراطيات حول العالم؛ فالصحافة الغربية تضم كتّابًا يناصرون حكوماتهم وتوجهاتها، وآخرين يقفون في موقف المعارضة لها.
يكتب كل كاتب انطلاقًا من خلفيته السياسية والاجتماعية والثقافية، وينعكس ذلك حتمًا على اختياره لموضوعاته. فأنا أعرف كاتبًا بارزًا يرتاد مقاهي وسط البلد، ويجالس الناس ويُصغي إلى أحاديثهم، فيستلهم منها أفكاره، ويوجّه معظم كتاباته نحو الشأن المحلي. وأعرف كاتبًا آخر وثيق الصلة بدوائر صُنع القرار، فتصله معلومات دقيقة عن المشهد السياسي الأردني، ولذا تتمحور غالبية مقالاته حول هذا الشأن. وثمة كاتب يقيم في إحدى القرى الأردنية، ويحمل رصيدًا وافرًا من هموم أهلها وقضاياهم، فيترجمها في كتاباته.
أما بالنسبة لي، فلو حاولت الكتابة عن تفاصيل حياة الناس وهمومهم، كما اقترح صديقي الفاضل، لما وُفّقت في ذلك؛ إذ ينصبّ اهتمامي أساسًا على الشأن الإقليمي، وأخصص وقتي يوميًّا لقراءة عشرات التقارير والدراسات الصادرة عالميًّا، فضلًا عن الكتب السياسية. يضاف إلى ذلك أن ضغوط العمل ومتطلبات الالتزام بالكتابة اليومية لا تتيحان لي هامشًا واسعًا للتواصل المباشر مع الناس، فمن أين لي إذن أن أستقي تفاصيل حياتهم؟ لهذا تظل مقالاتي مُنصبّة على القضايا الإقليمية التي لا شك تنعكس آثارها على الأردن، سعيًا مني إلى تزويد القارئ بما يعينه على استيعاب مجريات المنطقة وأبعادها وتداعياتها.
كتّاب الصحف اليومية يُشبِهون بستانًا من الورود المتنوعة، يقتطف منها القارئ ما يستهويه؛ فمنهم من يُعنى بالشأن المحلي، ومنهم السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والدولي، ومنهم المتخصص في القضية الفلسطينية أو الشأن العربي. وقد تتفق مع طروحاتهم أو تختلف معها، وقد تنجذب إلى بعضهم أو لا يروق لك أسلوب آخرين، لكن الأهم أن تقرأ لهم جميعًا بعقل متفتح وصدر رحب.
لا يجوز أن يغيب عن بالنا القارئ الذي تُكتب المقالة من أجله؛ فاهتماماته متعددة ومتباينة. فمنهم من لا يعنيه سوى الشأن الاقتصادي، ومنهم من يقتصر اهتمامه على القضايا المحلية، ومنهم من يتطلع إلى الاطلاع على وجهات النظر المتباينة حيال ما يدور في فلسطين وإيران وسائر ملفات المنطقة.
قرأت مرة في كتاب متخصص في الصحافة أن القارئ إنما يقتني الصحيفة التي تعبّر عن ذاته، ولعل هذا يختصر جوهر المسألة؛ فالصحيفة الناجحة لا تقصر كتّابها على اتجاه واحد أو قضية بعينها، بل تتيح المجال لتنوع الأصوات وتعدد الاهتمامات، بحيث يعثر كل قارئ فيها على ما يمس فكره وهمومه، ويسهم في فهمه لما يحيط به. فتنوع الكُتّاب ليس عيبًا ينبغي تقييده، بل هو ثراء يصون للصحافة نبضها وحيويتها، ويكفل للقارئ حرية الاختيار.
وأختتم بالحادثة الشهيرة التي تعود إلى الخامس من حزيران عام 1989، حين نشر أستاذنا الجليل أحمد سلامة في صحيفة «الرأي» مقالًا حمل عنوان «حزيران بين الأفندية وأحمد سعيد». لفت هذا المقال انتباه الراحل العظيم جلالة الملك الحسين، فوجّه رسالة علنية أثنى فيها على جرأة الكاتب، مبينًا أن المقال عبّر عن مكنونات نفسه، وأنه لم يجد في تلك الذكرى بُدًّا من أن يستعير كلمات سلامة ويخاطب بها الأردنيين. وقد أجمل الكاتب الراحل صلاح عبد الصمد دلالة هذا الموقف بقوله: إن المألوف أن ينقل الصحفي عن الحاكم، «لكن الحسين غيّر المعادلة حين اقتبس عن الصحفي».
ولعل في هذه الحادثة أبلغ رد: فقيمة الكاتب تكمُن في استقلالية صوته وصدق تجربته، لا في ترقّب مَن يُملي عليه ما يكتب.