د. حمد الكساسبة : حبل المبالغة قصير .. وفي الاقتصاد أقصر
أصعب ما في الاقتصاد أن الواقع لا يجامل أحداً. يمكن تجميل الأرقام، وانتقاء المؤشرات، وتقديم الوعود في أفضل صورة، لكن سوق العمل والدخل والاستثمار ومستوى المعيشة تبقى هي الامتحان الحقيقي. ولهذا فإن تضخيم الإنجاز لا يحتاج دائماً إلى رقم غير صحيح؛ أحياناً يكفي أن يُعرض نصف الحقيقة، أو أن يُقدَّم المتوقع وكأنه تحقق، فتتسع المسافة بين الصورة المعلنة والواقع الفعلي.
ومن هنا، يمكن الحديث عن مشاريع كثيرة، واستثمارات كبيرة، وفرص عمل مرتقبة، وبرامج واتفاقيات متلاحقة، وقد تكون هذه المعلومات صحيحة في أصلها. لكنها لا تصبح إنجازاً اقتصادياً مكتملاً بمجرد الإعلان عنها. فالمشروع الذي أُطلق ليس مشروعاً أُنجز، والاستثمار الذي وُقعت اتفاقيته ليس بالضرورة استثماراً دخل مرحلة الإنتاج، وفرصة العمل المتوقعة ليست وظيفة قائمة بالفعل. وبين الإعلان والنتيجة مساحة يجب أن تبقى واضحة.
ولا تقف المبالغة عند حدود الإعلان، بل قد تظهر أيضاً في الاستخدام الانتقائي للمؤشرات. فقد يرتفع الناتج المحلي بينما يبقى دخل الفرد الحقيقي تحت الضغط، وقد تزيد الصادرات بينما تكون القيمة المضافة المحلية محدودة، وقد يرتفع عدد الشركات المسجلة بينما لا يتحول إلا جزء منها إلى نشاط منتج ومستدام. فالرقم قد يكون صحيحاً، لكن صورته تصبح ناقصة عندما يُفصل عن السياق الذي يمنحه معناه الحقيقي.
وبالطريقة نفسها، قد تؤدي المقارنات المختارة بعناية إلى تضخيم صورة التحسن. فاختيار سنة ضعيفة كنقطة بداية يجعل الأداء اللاحق يبدو أكبر، واستخدام أرقام تراكمية قد يوحي بأن حصيلة سنوات تحققت خلال فترة قصيرة، كما أن ارتفاع نسبة النمو من قاعدة صغيرة لا يعني بالضرورة تحولاً اقتصادياً واسعاً. ولهذا لا تكفي النسبة وحدها؛ المهم أن نعرف من أين بدأنا، وبماذا نقارن، وما الذي تغير فعلاً.
وإذا كانت الأرقام تحتاج إلى سياق، فإن النشاط نفسه يحتاج إلى معيار واضح حتى يُسمى إنجازاً. فالاجتماعات والخطط والمنصات وتوقيع الاتفاقيات قد تعكس جهداً حقيقياً، لكنها لا تمثل نتائج اقتصادية بحد ذاتها. الإنجاز يبدأ عندما تتوسع شركة، أو يدخل استثمار مرحلة الإنتاج، أو ترتفع الصادرات بقيمة مضافة محلية، أو تُخلق وظائف مستقرة، أو تتحسن الإنتاجية والدخول. وما دون ذلك يظل خطوة في الطريق لا دليلاً على الوصول.
ومن الطبيعي بالطبع أن تحتاج الإصلاحات والمشاريع الكبرى إلى وقت، لكن الزمن لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر مفتوح لتأجيل النتائج. فمع مرور السنوات، يجب أن تنتقل الوعود القديمة تدريجياً من خانة «المتوقع» إلى خانة «المتحقق». وأحياناً تأتي المبالغة بالوكالة، حين تضخّم بعض التغطيات الصحفية ومنصات التواصل الإنجاز أو تحوّل المتوقع إلى متحقق، فتتسع المسافة بين أصل المعلومة والصورة التي تصل إلى الناس.
وعند هذه النقطة يصبح الاختبار الحقيقي بعيداً عن الخطاب نفسه، وقريباً من حياة الناس. فإذا كانت الإنجازات بالحجم الذي يُعلن، فلا بد بعد فترة معقولة أن تظهر آثارها في فرص العمل، والدخول الحقيقية، والاستثمار المنتج، وقدرة الشركات على التوسع، ومستوى معيشة الأسر. وليس مطلوباً أن تتحسن كل المؤشرات دفعة واحدة، لكن ينبغي أن يظهر اتجاه واضح يربط بين ما يسمعه المواطن وما يلمسه في واقعه.
ومع ذلك، ليس المطلوب أن يتحول الخطاب الاقتصادي إلى التشاؤم أو إنكار ما تحقق. من حق أي إدارة اقتصادية أن تعرض إنجازاتها وأن تبني توقعات إيجابية للمستقبل، لكن الفرق كبير بين تفاؤل يستند إلى مسار يمكن قياسه، وبين صورة تتقدم على الواقع نفسه. فالأمل يصبح أكثر إقناعاً عندما تدعمه الوقائع، والإنجاز يصبح أكثر احتراماً عندما يُعرض بحجمه الحقيقي من دون تهويل أو تقليل.
وفي النهاية، لا يحتاج الناس إلى صورة مثالية بقدر حاجتهم إلى خطاب صريح يحترم عقولهم وتجربتهم اليومية. قد يتقبل المواطن صعوبة الظروف، وبطء النمو، وطول طريق الإصلاح، وربما يتقبل أن تبقى معيشته فترة دون التحسن الذي يتمناه، لكنه يتقبل ذلك أكثر عندما يقال له الواقع كما هو. فالصدق لا يرفع الدخل فوراً، والصراحة لا تخلق وظيفة في يوم واحد، لكنها تحفظ الثقة. وحين تضيع الثقة، تصبح حتى الأرقام الصحيحة موضع شك. لذلك يبقى حبل المبالغة قصيراً... وفي الاقتصاد أقصر، لأن الواقع يصل إلى الناس قبل أن تصل إليهم التبريرات.