أ.د. هيثم العقيلي المقابلة : التحدي الثقافي الاردني و الاحقية الهاشمية
برأيي ان الهوية الاردنية و الشرعية بقيت لفترة من الزمان في خندق الدفاع و لم تغور المخاض الثقافي. هذا شجع تيارات مثل اليسار و الاسلام السياسي و تيارات التوطين و حاليا التيار الولائي لمحاولة تصوير الاردن ككيان غير قابل للبقاء صنعه الغرب لاهداف وظيفية.
رغم قدرة الاردن على البقاء و التركيز على الافعال لكن السردية التي صنعتها هذه التيارات لا يجوز ان نسمح باعادة صناعتها فهنالك اجيال جديدة تخلق لها اليوم سرديات الغد. سرديات الماضي اورثت جيلا من العرب و الاردنيين وعي مشوه عن التاريخ الاردني و الدور الهاشمي في الحفاظ على العروبة في محطات كثيرة منذ انطلاق الثورة العربية الكبرة التي كانت اول حركة قومية على اساس اسلام معتدل و عروبة نقية قبل ان يسرقها تيارات اليسار التي اورثت الامة المآسي و النكبات و الفرقة.
كتبت سابقا في شرعية التاريخ و الاحقية الاردنية لبلاد الشام و العراق و الاحقية التاريخية بان هذه الاصل فيها ان تكون تحت التاج الهاشمي الاردني. اعيد ذلك ملخصا كالآتي:
الشعوب التي سكنت العراق و بلاد الشام في العصر البرونزي قبل ستة الاف عام هم العموريين و الكنعانيين و الاشوريين و البابليين و هؤلاء جميعا اثبتت فحوص الحمض النووي للرفات التي وجدت في بلاد الشام و العراق انهم على التحور الجيني J1 و هو التحور الجيني للعرب اليوم (J1-p58). هذا التحور الموجود في 78 بالمئة من عينات الاردنيين و هو ايضا تحور العائلة الهاشمية الاردنية التي تعتبر الزعامة التاريخية لهذا التحور حيث ان تحور السلالة الهاشمية الاردنية هو J1-P58-subclade L859.
اي ان الاردنيين اليوم هم السلالة الاكثر وضوحا للعرب و النسل الاوضح للشعوب التي سكنت العراق و بلاد الشام منذ 6 الاف سنة اي قبل 2600 عام من ظهور اليهود في المنطقة و قبل 3300 سنة من ظهور الفرس عبر السلالة الاخمينية و تلقائيا قبل الاف السنين من ظهور الشعوب الاخرى.
نتائج الحمض النووي دفعت الكثير من العلماء لنشر ابحاثهم التي تتلخص بأن العروبة بدأت كسلالة من الهلال الخصيب و تشكلت هجرات عربت الجزيرة العربية و اليمن و ان انطلاق هذه الهجرات كان من الاردن. أما اللغة العربية فقد ظهرت من الانباط حيث كانت المنطقة باكملها تحت لغتين الكنعانية و الارامية و الاخيرة كانت لغة الاراميين اخوان العموريين و التي انتشرت قبل العربية كلغة للمنطقة بعد الغزو الاشوري ليقوم الانباط الذين اول من تحدث العربية لانتاج الاحرف العربية لذلك نجد ان اقدم نقوش العربية مختلطة الاحرف عربية-نبطية.
مجموع هذه الابحاث المنشورة في مجلات عالمية تظهر ان احقية بلاد الشام و العراق هي لمن يحمل التحور الجيني J1 و ان الشعوب على التحورات الاخرى طارئة على المنطقة منذ 1200 قبل الميلاد مع غزو شعوب البر (تجمع العبرانيين و الشاسو و عدد اخر من الاعراق بقيادة الاسرائيليين) و غزو شعوب البحر الذين امتدوا من السواحل اللينانية الى غزة ايضا في 1200 قبل الميلاد اي بعد 2600 عام من وجود سلالة J1.
لذلك و مع ايماننا بالدولة الوطنية و احترام كل دولة لكن الاحقية التاريخية لحكم المنطقة من جنوب العراق و وسطة و غربة الى كامل بلاد الشام هو حق اردني هاشمي بلا غبار وفق فحوص الحمض النووي الذي لا تتعدى فيها نسبة الخطأ واحد بالمليون.
هذا ليس كلام عاطفيا او اسقاط سرديات تاريخية و دينية كما فعلت شعوب اخرى و لكنه حقائق علمية لا يختلف على نتائجها الباحثون. هذا ما يدفع بعض الباحثين اليهود اليوم الى القول ان اليهود من اصل واحد و هو الكنعانيين و السبب لذلك ان الحمض النووي الهابلوتايب سيلغي السرديات التاريخية و يعيد احقية المنطقة لحملة الهابلوتايب J1 مع ان نسبة اليهود على هذا التحور الجيني لا تتعدى 10 بالمئة. انه اعداد لسردية جديدة تتوافق و النتائج العلمية. لا بل ان اصرار الجانب الاسرائيلي على يهودية الدولة جزء منه نابع من ان نتائج الحمض النووي تثبت ان فقط 10 بالمئة من اليهود هم اسرائيليين اما الباقي فهي اعراق اخرى لا تنتمي للمنطقة.
الملخص ان الثقافة و دمجها بالانتاج العلمي اخر عشرون عاما يعاد من خلالها كتابة تاريخ المنطقة و نحن من نملك الحجة العلمية الاقوى ما زلنا لم نخوض هذا الغمار و حصرنا الثقافة بالقراءة و الادب و الفنون و التي هي مظاهر ثقافية فقط. آن الاوان ان ننفض الغبار عن الية التفكير القديمة و الجلوس في مقعد المدافع و الرجل الطيب لنظهر سرديتنا كما اظهرها العلم و الحمض النووي و ليس سرديات كل عشيرة انها اتت من منطقة خارج الاردن. حتى الهاشميين اسلافهم هم سكان العراق و بلاد الشام و الانباط و هجرة اسلافهم الى الحجاز و جنوبا ثم عودتهم لارضهم و احقيتهم التاريخية بحكم هذه المنطقة من جنوب الى وسط الى غرب العراق و كامل بلاد الشام وفق فحوص الحمض النووي.