المحامي علاء مفلح ابو سويلم : التحكيم في الأردن…
لم يعد التحكيم وسيلة استثنائية لحسم المنازعات التجارية، بل أصبح أحد أهم أدوات تحقيق العدالة الناجزة وتعزيز الثقة بالاستثمار في ظل اقتصاد عالمي تتجاوز فيه العلاقات التجارية حدود الدول. ومن هذا المنطلق، أولى المشرع الأردني التحكيم عناية خاصة، فأصدر قانون التحكيم رقم (31) لسنة 2001 وتعديلاته، مستلهماً في أحكامه المبادئ الحديثة التي أرستها قواعد الأونسيترال، بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية.
وتبرز أهمية التحكيم الأردني في أن أثره لا يقف عند حدود المملكة، إذ إن انضمام الأردن إلى اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها منح الأحكام التحكيمية الصادرة في الأردن قابلية أوسع للاعتراف والتنفيذ في عدد كبير من دول العالم، متى استوفت الشروط القانونية المقررة. وهذه الميزة تمثل رسالة طمأنة للمستثمرين والمتعاملين في التجارة الدولية بأن حقوقهم يمكن أن تحظى بالحماية والتنفيذ خارج الحدود الوطنية.
كما أن القضاء الأردني أسهم في ترسيخ هذا النهج من خلال احترام مبدأ استقلال اتفاق التحكيم، والحد من التدخل القضائي في إجراءات التحكيم إلا في الحدود التي رسمها القانون، تحقيقاً للتوازن بين حماية ضمانات التقاضي وصيانة إرادة الأطراف في اختيار وسيلة بديلة لفض منازعاتهم.
ولا يقتصر أثر التحكيم على تسوية النزاع فحسب، بل يمتد إلى دعم البيئة الاستثمارية وتعزيز تنافسية الدولة. فالمستثمر يبحث دائماً عن منظومة قانونية توفر السرعة والسرية والحياد وسهولة تنفيذ الأحكام، وهي عناصر أصبح التحكيم يوفرها بدرجة كبيرة مقارنة بإجراءات التقاضي التقليدية في كثير من المنازعات التجارية والاستثمارية.
ومع ذلك، فإن تطوير منظومة التحكيم لا يتوقف عند النصوص القانونية، بل يتطلب استمرار تأهيل المحكمين، وتعزيز التخصص، ونشر الثقافة القانونية المتعلقة بالتحكيم بين رجال الأعمال والشركات، بما يضمن حسن استخدام هذه الوسيلة ويعزز الثقة بمخرجاتها.
إن مستقبل التحكيم في الأردن يرتبط بقدرته على مواكبة التطورات الاقتصادية والتكنولوجية، وترسيخ مكانة المملكة كمركز إقليمي لتسوية المنازعات التجارية والاستثمارية. وعندما تجتمع تشريعات حديثة، وقضاء داعم، وكفاءات قانونية متخصصة، يصبح التحكيم أكثر من مجرد وسيلة لفض النزاع، بل أداة استراتيجية لتعزيز سيادة القانون وجذب الاستثمار، وترسيخ مكانة الأردن في منظومة العدالة التجارية الدولية.
ــ الراي