اسماعيل الشريف : الضفة الغربية.. شرارة تنتظر الانفجار
لا يوجد شيء اسمه الشعب الفلسطيني - بن غفير.
تخيّل أنك تجلس بين أولادك في منزلك، فإذا بطرقٍ عنيف يهزّ الباب. تفتحه، فترى رجلًا أشقر، أوروبيّ الملامح، يحمل سلاحًا في يد، ونسخة من التوراة أو التلمود في اليد الأخرى، وخلفه عدد من الجنود.
يأمرك بمغادرة المنزل قائلًا: «لقد منحني الله هذا البيت قبل ثلاثة آلاف عام». فتجيبه: «لكنه منزلي؛ وُلدت فيه، ومن قبلي وُلد فيه أبي وجدّي».
يدفعونك جانبًا، ويقتحمون بيتك، ثم يلقون أثاثك في الخارج. يبكي أطفالك، ويرمون زوجتك، فتغلي الدماء في رأسك، تنتزع السلاح من الرجل الأشقر وتطلق النار عليه. عندها يردونك شهيدًا، ثم تأتي جرافة لتهدم منزلك.
وفي اليوم التالي، تتصدر صحف العالم عناوين تقول: «الجيش يقتل إرهابيًّا بعد محاولته الاعتداء على جنود الاحتلال».
وقد تخرج في الصباح لترعى أغنامك، فترى من بعيد بضعة شبان شقرًا نصبوا خيمة فوق قطعة أرض مسيّجة على أحد التلال. يبدو المشهد في البداية عابرًا، لكنك سرعان ما تراهم يقتربون من أرضك، ويتجولون بين أشجار زيتونك ووسط قطيعك، ثم يعتدون عليك، ويسرقون ماشيتك، ويحرقون أشجارك.
بعد ذلك، يستولون على جزء من أرضك ويضمّونه إلى المساحة التي سيطروا عليها، فيمتد السياج يومًا بعد يوم، ويزداد طولًا واتساعًا. ومع مرور الوقت، تتحول أرضك وأراضي أقاربك وأصدقائك وسائر أهالي قريتك إلى جزء من نواة مستعمرة جديدة.
تتغير الطرق، وتُغلق الشوارع، وتُقام الحواجز، حتى يصبح الوصول إلى مكان لا يبعد سوى بضع مئات من الأمتار رحلة تستغرق ساعات.
هذه المشاهد تتكرر يوميًا في الضفة الغربية؛ إذ يُرهب المستوطنون الأهالي، ويعتدون عليهم، ويقتلونهم تحت حماية جيش الاحتلال، فيما يظهر في خلفية هذه الاعتداءات وزراء من حكومة الاحتلال. والهدف واضح: تفريغ الضفة الغربية من أهلها الأصليين، مسلمين ومسيحيين، واقتلاعهم من أرضهم، تمهيدًا للاستيلاء عليها وتهويدها.
يحدث ذلك كله على مرأى العالم ومسمعه، وسط اعتراض الرئيس ترامب وشجب المجتمع الدولي وإدانته، في الوقت الذي أُعلنت فيه خطة الرئيس ترامب للسلام، المكوّنة من عشرين بندًا، وسط أجواء احتفالية في التاسع والعشرين من أيلول من العام الماضي.
غير أن الأيام كشفت أن هذه الخطة لم تكن سوى حبر على ورق؛ فالاحتلال ما يزال يسيطر على نحو 60 % من مساحة قطاع غزة، وقد هدم المباني وجرّف الأراضي الزراعية في المناطق الخاضعة لسيطرته. كما يواصل قصف القطاع يوميًا، ما أسفر، منذ إطلاق الخطة، عن استشهاد نحو 1200 من أبناء غزة وإصابة أكثر من 3600 آخرين، في ظل استمرار الحصار ومنع دخول المساعدات الإنسانية.
أما في الضفة الغربية، فقد توسعت البؤر الاستيطانية، واعترفت حكومة الاحتلال، بعد إطلاق الخطة، بتسع عشرة مستوطنة إضافية. ويتزامن ذلك مع تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين، واستمرار هدم المنازل وتهجير سكانها، فضلًا عن الاقتحامات المتواصلة للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية.
ولا تُخفي حكومة مجرم الحرب نتن ياهو، خططها الرامية إلى ضم الضفة الغربية وإجهاض أي محاولة لإقامة دولة فلسطينية، في وقت يصدر فيه رئيسها أوامره إلى جيش الاحتلال لشن حملات عسكرية متواصلة في مدن الضفة وقراها ومخيماتها.
تقف الضفة الغربية اليوم فوق برميل من البارود، تغذّيه مشاعر متراكمة من الغضب والخوف والإحباط والاحتقان، في انتظار شرارة قد تفجّر الأوضاع فيها. وعندئذ، قد تتحول المواجهات المتفرقة إلى انتفاضة شعبية واسعة، لا يُستبعد أن تتجاوز حدود الضفة الغربية.
فلا أحد يعلم إلى أي مدى قد تتسع دائرة المواجهة، ولا أين يمكن أن تمتد، ولا حجم التداعيات التي قد تخلّفها في القدس والداخل الفلسطيني والدول المجاورة. وقد تجد الحكومات العربية وجيوشها نفسها أمام ضغط شعبي وسياسي متصاعد، يدفعها إما إلى الانخراط في مواجهة لا ترغب فيها، أو إلى اتخاذ مواقف وإجراءات طالما سعت إلى تجنبها.
ـ الدستور