د. رعد محمود التل : الجامعة الأردنية شريك في رؤية التحديث الاقتصادي
لم يعد دور الجامعات في أي اقتصاد يسعى للتقدم وتحسين أدائه مقتصراً على التدريس والبحث العلمي، لكنها أصبحت ركناً مهما في بناء اقتصاد المعرفة، كشريك مهم وأساسي في تحقيق النمو الاقتصادي وتحسين الانتاجية وتعزيز الابتكار. وقد جاءت مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي لتحاكي كل ذلك بوضعها الابتكار والبحث العلمي التطبيقي ونقل التكنولوجيا في صميم عملية التحول الاقتصادي.
من هذا المنطلق المهم، جاءت خطوات الجامعة الأردنية لتنسجم بوضوح مع أهداف التحديث الاقتصادي بعقدها ملتقى الأساتذة الفخريين الثالث بنسخته الأحدث والذي رعاه سمو الأمير الحسين ولي العهد بعنوان "دور الجامعات في قيادة منظومة الابتكار الوطنية"، وشارك فيه نخبة من الأكاديميين والخبراء من مختلف دول العالم، بهدف التركيز على تعزيز الشراكات بين الجامعات وقطاع الصناعة وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، لتنسجم مع أحد أهم محاور رؤية التحديث الاقتصادي، وهو بناء اقتصاد يعتمد على الابتكار والإنتاجية بدلاً من الاقتصار على الأنشطة التقليدية.
أبرز ما ميز هذا الملتقى هو ترجمة كل تلك الافكار الى خطوات عملية، حيث وقعت الجامعة الاردنية سلسلة من مذكرات التفاهم واتفاقيات التعاون مع شركات وطنية وعربية رائدة في مجالات البحث والابتكار والتطوير ونقل التكنولوجيا، متجاوزة بذلك فكرة التعاون الاكاديمي التقليدي المعروف، الى تأسيس شراكات اقتصادية عنوانها الرئيسي تحويل نتائج البحث العلمي الى قيمة اقتصادية من خلال منتجات وخدمات وتقنيات تخضع لمفاهيم العرض والطلب الاقتصادي.
فتوقيع شراكات علمية تطبيقية في مجالات المياه والصناعات الكيماوية والاسمدة والتقنيات الطبية يعكس التوجه الاقتصادي المطلوب، بالتركيز ابتداءً على القطاعات ذات القيمة المضافة العالية في الاقتصاد وبذات الوقت التي تخلق فرص عمل للأردنيين. وثانياً، بهدف ربط البحث العلمي بتلك القطاعات الانتاجية ذات الأولوية للاقتصاد الاردني. فالتعاون في تطوير تقنيات حصاد المياه، وتحسين التربة، وتطوير الأجهزة الطبية، لا يقتصر أثره على الجانب العلمي، بل يمتد إلى رفع كفاءة القطاعات الإنتاجية، وتحسين تنافسية الصناعة الأردنية، وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة، وخلق منتجات وطنية ذات قيمة مضافة.
واستكمالاً لهذه المنظومة كان افتتاح دارة العلوم والشركات الناشئة في الجامعة الأردنية من قبل سمو ولي العهد، ليشكل حلقة مكملة للعلاقة بين البحث العلمي والانتاج ذي القيمة المضافة، إذ توفر تلك الدارة بيئة متكاملة لاحتضان الأفكار الريادية، وتحويلها إلى شركات ناشئة قادرة على جذب الاستثمار والمنافسة. والشواهد العالمية كثيرة كيف تحولت الشركات المنبثقة عن الجامعات الى مصدرٍ رئيسي للابتكار وخلق الوظائف واستقطاب رؤوس الأموال.
المعنى الاقتصادي لذلك مهم ومؤثر، فتلك الشراكات هي أحد أهم أدوات تحويل المعرفة إلى رأس مال منتج وهو ما يلزم اليوم من ضمن أدوات تحفيز النمو الاقتصادي المتبعه، فكل براءة اختراع تتحول إلى منتج صناعي، وكل مشروع بحثي يجد طريقه إلى السوق، يضيف قيمة للناتج المحلي الإجمالي، ويوفر فرص عمل نوعية، ويعزز الصادرات، ويرفع إنتاجية الاقتصاد اكثر، وهو الهدف الرئيسي لرؤية التحديث الاقتصادي، النمو الاقتصادي المصاحب لفرص عمل للأردنيين. طبعاً لا يخفى بأنه هذا النموذج هو الذي اعتمدته الاقتصادات المتقدمة، حيث أصبحت الجامعات مصدرًا للابتكار والاستثمار، وليس مجرد مؤسسات تمنح الشهادات للخريجين أو تنتج أبحاثاً لا يستفاد منها الا تلبيةً لشروط الترقية!
إن نجاح رؤية التحديث الاقتصادي لا يعتمد على السياسات الحكومية وحدها، بل يتطلب مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة، وربطها بالقطاع الخاص، وتحويلها إلى استثمارات ومنتجات وأسواق. ومن خلال ما تطلقه من شراكات، والبنية البحثية التي تمتلكها، والمبادرات التي تتبناها، تؤكد الجامعة الأردنية أنها تؤدي هذا الدور بفاعلية، وأنها ترسم مساراً ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي كشريك حقيقي في بناء اقتصاد أردني أكثر إنتاجية، وأكثر اعتمادًا على الابتكار، وأكثر قدرة على المنافسة وتحويل المعرفة إلى ثروة، والبحث العلمي إلى صناعة، والابتكار إلى نمو اقتصادي.
ـ الراي