اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

خولة كامل الكردي : الهروب إلى الحرية!

خولة كامل الكردي : الهروب إلى الحرية!
أخبارنا :  

في وقت يتذكر العالم الحر مذبحة سيربينيتسا، والتي حدثت ما بين 11-22 يوليو 1995 وأثارت موجة غضب شديدة لبشاعتها وشكلت صدمة كبيرة لمدى وحشية من ارتكبها من القوات الصربية حيث أودت بحياة آلاف البوسنيين المسلمين، ولم يكن يخطر في بال مدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان أن تتورط جهات لطالما انتدبت نفسها مدافعة قوية وشرسة عن حرية الإنسان، وإذا بها تتقاعس عن إنقاذ آلاف المسلمين في يوغوسلافيا السابقة، من مجزرة مروعة هزت الضمير العالمي، سيما وقد علت أصوات بوسنية وعرببة وإسلامية ودولية ناشدت المجتمع الدولي إنقاذ الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ، وصوت الرئيس الراحل عزت بوجوفيتش كان من بين تلك الأصوات الشجاعة، فهو القائد الذي حارب بقوة من أجل حرية وطنه وشعبه.

 

قبل الحرب، اعتقل بيجوفيتش ووضع في السجن فترة من الزمن، وكانت مدة حبسه بالنسبة له فرصة ذهبية لا تعوض من أجل التفرغ لكتابه «هروبي إلى الحرية»، سجل فيه خواطره عن الحياة والموت والدين والسياسة، ربما كان مكوثه في السجن مساحة للتأمل جعلته أكثر قوة وإصرارا للخروج من عباءة الهيمنة على حريات الشعب البوسني وقمع رأيه وإسكات صوته بشتى الطرق والوسائل، إلى المطالبة بحقوق شعبه المضطهد.

السجن لم يكن أمرا سيئا، بل مساحة ساعدت في إعادة صياغة شخصية عزت بوجوفيتش توقا لحرية وطنه وشعبه، وربما لو قدر الله له أن يعيش حتى وقتنا الحالي لأصابته قطعا صدمة كبيرة لهول المأساة التي حلت على أهل غزة، ولما صدق أن يصل الحقد البشري إلى محو معالم مدينة مسالمة كانت تعج بالحياة والأمل بصورة بشعة لا مثيل لها.

وقتما يتأمل القارئ خواطر عزت بيجوفيتش في كتابه الذي بدأه وأنهاه في معتقله، يتبادر إلى ذهنه اليقين بحتمية الرضوخ لإرادة صاحب الحق، وأن القيد الذي كبل يديه لم يكن سوى طاقة له إلى الحرية المنشودة والوصول إلى مبتغاه بتحرير شعبه من الطغيان والظلم، هو لم يكن سجنا بالمعنى المتعارف عليه، بل جناحين حلق بهما وأطلق العنان لمكنون أفكاره وخواطره ومشاعره، وانتقم من شدة الحبس التي ألمت به في حياته ثم نسيها كما كتب، وطرح سؤالا غيرَ متوقع: نبحث عن الحرية ولكن هل نستحقها؟! يبدو أن صورة الحرية التي نمت في فكره لم تكن مجرد العيش بحرية من دون استبداد، بل حرية مسؤولة لا مغالاة ولا تبخيس، ويكأنه يوجه نداء للوعي الجمعي الإنساني، عليه أن يكون مؤهلا لمفهوم الحرية (الجوانية) الحقيقية ولا يأخذها من قشورها فقط (البرانية) بل مخلصا لها وجدانيا، ويحرر نفسه من أوهام الحرية الزائفة مستعدا أن يمارسها بكل حرية، فالفطرة الإنسانية السليمة تتوق إلى الحرية النقية.. وهذا لعمري ما يصبوا إليه أهل غزة فلعل الفرج أقرب مما نتصور.


مواضيع قد تهمك