حسن الدعجة : مضيق هرمز بين الجغرافيا السياسية وقانون البحار
منذ اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، عاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الجيوسياسي باعتباره أحد أخطر نقاط الاختناق البحرية وأكثرها تأثيراً في الاقتصاد العالمي. ولم يعد السؤال الرئيس يتمثل في قدرة إيران العسكرية على تعطيل الملاحة، بل في قدرة النظام الاقتصادي الدولي على استيعاب التداعيات السياسية والاقتصادية لأي اضطراب طويل الأمد في هذا الممر الحيوي. فالمضيق لم يعد مجرد ممر مائي إقليمي، بل أصبح شرياناً إستراتيجياً تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى، وتنعكس أي أزمة فيه مباشرة على أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والتجارة الدولية، والاستقرار المالي العالمي، مما يجعله أحد أهم محددات الأمن الاقتصادي الدولي في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس الجيوسياسي.
وتنبع الأهمية الإستراتيجية لمضيق هرمز من كونه أحد أبرز شرايين الطاقة والتجارة في العالم؛ إذ يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما الصادرات المتجهة من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. كما تعبره أعداد كبيرة من ناقلات الطاقة والسفن التجارية المحملة بالمواد الخام والسلع الصناعية والغذائية. لذلك، فإن أي اضطراب في الملاحة لا يقتصر أثره على ارتفاع أسعار النفط والغاز، بل يمتد إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين البحري، وتأخير وصول الشحنات، واضطراب سلاسل الإنتاج والتوريد. وينعكس ذلك في ارتفاع معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وتباطؤ النمو، ولا سيما في الاقتصادات المستوردة للطاقة والمعتمدة على التجارة البحرية.
ورغم تصاعد التهديدات بإغلاق المضيق، فإن التجارب التاريخية تؤكد أن المضائق الدولية نادراً ما أُغلقت بالكامل حتى في أشد الحروب. فقد شهدت الحرب العراقية الإيرانية ما عُرف بـ"حرب الناقلات"، واستهدفت خلالها مئات السفن، إلا أن الملاحة استمرت. كما حافظت المضائق التركية على انفتاحها النسبي خلال الحرب الروسية الأوكرانية، في حين اتجه المجتمع الدولي إلى إنشاء ممرات آمنة لحماية التجارة. وتؤكد هذه السوابق أن تعطيل المضائق الحيوية يضر بالاقتصاد العالمي بأسره، وليس بأطراف النزاع وحدها.
وفي هذا السياق، لم يعد قانون البحار مجرد منظومة قانونية لتنظيم الملاحة، بل تحول إلى أحد مرتكزات الاستقرار الجيوسياسي وحماية الاقتصاد العالمي، نظراً لارتباطه المباشر بأمن الممرات البحرية الدولية. فقد أرست اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ولا سيما المواد (37–44)، نظام المرور العابر الذي يكفل استمرار الملاحة في المضائق الدولية، مع منح الدول المشاطئة صلاحيات تنظيمية محدودة تتعلق بسلامة الملاحة وحماية البيئة والأمن البحري، دون أن تمتد إلى تعطيل حركة العبور أو فرض قيود تمس جوهر حرية الملاحة. كما أن قانون النزاعات المسلحة البحرية، رغم منحه الدول المتحاربة صلاحيات لاعتراض السفن العسكرية المعادية وفرض الحصار البحري وفق ضوابط محددة، لا يجيز الإغلاق الشامل للمضائق الدولية أو المساس بحقوق الدول المحايدة، وهو ما أكدته السوابق الدولية في مضيق كورفو، وحرب الناقلات في الخليج، وأزمات البحر الأسود، التي أظهرت أن حماية انسياب الملاحة ظلت أولوية دولية حتى في ظل النزاعات المسلحة.
ومن الناحية الإستراتيجية، لا تكمن المشكلة في القدرة العسكرية على إغلاق المضيق، وإنما في الكلفة السياسية والاقتصادية المترتبة على ذلك. فتعطيل الملاحة سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة أقساط التأمين البحري، واضطراب الأسواق المالية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية نتيجة زيادة تكاليف النقل. وفي المقابل، سيدفع الاقتصادات الكبرى إلى تسريع البحث عن بدائل إستراتيجية، سواء عبر توسيع خطوط الأنابيب، أو تطوير موانئ بديلة، أو تسريع التحول نحو مصادر الطاقة البديلة، وهو ما قد يقلل تدريجياً من الأهمية الجيوسياسية للمضيق.
ولهذا السبب، يُنظر إلى التهديد بإغلاق مضيق هرمز باعتباره ورقة ردع ومساومة سياسية أكثر منه خياراً إستراتيجياً قابلاً للاستمرار. فجميع الأطراف، بما فيها الدول الخليجية وإيران والقوى الاقتصادية الكبرى، ترتبط مصالحها باستمرار تدفق التجارة والطاقة عبر هذا الممر. كما أن الأسواق العالمية تتفاعل عادة مع احتمالات الإغلاق أكثر من وقوعه فعلياً، إذ يكفي ارتفاع مستوى المخاطر لرفع أسعار النفط، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وانعكاس ذلك على أسعار الغذاء والصناعة والتجارة العالمية.
كما تدرك الدول المطلة على الخليج أن أي تعطيل طويل للملاحة سيؤثر مباشرة في صادراتها وإيراداتها وثقة المستثمرين، في حين تدرك إيران أن الإغلاق الكامل سيقيد صادراتها ويزيد الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية عليها، وربما يبرر توسيع الوجود العسكري الدولي لحماية حرية الملاحة.
ومن ثم، فإن مستقبل مضيق هرمز لن تحدده القوة العسكرية وحدها، بل معادلة معقدة تجمع بين الردع، والمصالح الاقتصادية، والقواعد القانونية، والتوازنات الدولية. فالسيناريو الأكثر ترجيحاً ليس الإغلاق الكامل، وإنما استمرار إدارة التوتر داخل المضيق، بحيث يبقى أداة ضغط إستراتيجية دون الوصول إلى تعطيل شامل لحركة الملاحة.
لقد أثبت التاريخ أن المضائق الدولية كانت دائماً ساحات للتنافس بين القوى الكبرى، لكنها نادراً ما تحولت إلى ممرات مغلقة بالكامل، لأن تكلفة ذلك تتجاوز بكثير المكاسب العسكرية المؤقتة. وفي عالم يعتمد على سلاسل إمداد مترابطة وأسواق طاقة عالمية، أصبحت حرية الملاحة ضرورة إستراتيجية لاستقرار الاقتصاد الدولي، الأمر الذي يجعل الحفاظ على انسياب الحركة في مضيق هرمز مصلحة مشتركة تتجاوز حسابات الصراع الإقليمي إلى صميم الأمن الاقتصادي العالمي.
*أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
ــ الغد