اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

فراس النعسان : ابتزاز هرمز

فراس النعسان : ابتزاز هرمز
أخبارنا :  

الحقيقة تقول اليوم إن إيران لا تبتز خصومها في هرمز، بل تبتز العالم كله. فما يجري في هذا المضيق ليس مجرد تصعيد عسكري أو ورقة ضغط سياسية، وإنما استخدام متعمد للنفط كسلاح لابتزاز الاقتصاد الدولي وتعريض أمن الطاقة العالمي للخطر. وعندما يصبح أحد أهم شرايين الطاقة في العالم رهينة قرار سياسي من طهران، فإن الخاسر لن يكون طرفاً في الحرب، بل الاقتصاد العالمي بأسره.

يمر عبر مضيق هرمز يومياً نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من السوائل النفطية، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، معظمها من قطر، أكبر مصدر للغاز المسال. كما تعتمد دول الخليج بصورة كبيرة على هذا الممر لتصدير ثرواتها إلى الأسواق العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيه أزمة دولية خلال ساعات، ولا يتوقف عند حدوده الإقليمية.

لهذا، لم تنتظر الأسواق إغلاق المضيق فعلياً حتى تتفاعل. فمجرد تصاعد التهديدات العسكرية خلال اليومين الماضيين أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، وقفز كلف التأمين البحري، وازدياد المخاوف في أسواق المال، فيما بدأت شركات الشحن والطاقة بإعادة تقييم مساراتها وخططها التشغيلية. فالاقتصاد العالمي لا يتعامل مع النوايا، بل مع المخاطر، ومجرد احتمال توقف الإمدادات يكفي لإشعال الأسواق.

إيران تدرك تماماً أن العالم لا يستطيع استبدال مضيق هرمز بسهولة. فلا توجد خطوط أنابيب قادرة على استيعاب كامل الكميات التي تعبره يومياً، ولا ممرات بحرية بديلة توفر السرعة والكلفة نفسيهما. ولهذا تحديداً تستخدم طهران هذا الموقع الجغرافي الاستثنائي كورقة ابتزاز، في محاولة لفرض معادلة تقول: إذا اشتدت الضغوط علينا، فسيدفع العالم الثمن.

هذه ليست سياسة دفاعية، ولا يمكن تسويقها على أنها رد مشروع على خصوم إيران. فاستهداف أمن الطاقة العالمي يختلف جذرياً عن أي مواجهة عسكرية تقليدية، لأنه يطال دولاً وشعوباً لا علاقة لها بالنزاع. الدول النامية ستكون أول الضحايا، إذ سترتفع أسعار الوقود، وتتضاعف كلف النقل، وتزداد أسعار الغذاء، وتتراجع معدلات النمو، بينما تعود موجات التضخم التي أنهكت اقتصادات العالم خلال السنوات الأخيرة.

وبالطبع فإن الأردن ليس بعيداً عن هذه التداعيات. فكل ارتفاع في أسعار النفط ينعكس مباشرة على فاتورة الطاقة، وكلف الإنتاج، وأسعار السلع والخدمات، ويضيف أعباء جديدة على الموازنة العامة وعلى المواطنين. لذلك فإن ما يحدث في هرمز ليس خبراً خارجياً بالنسبة لنا، بل قضية تمس الأمن الاقتصادي الوطني بشكل مباشر.

الأخطر من الأزمة الحالية هو السابقة التي تحاول إيران تكريسها. فإذا أصبح تعطيل الممرات البحرية الدولية وسيلة مقبولة لتحقيق مكاسب سياسية، فإن النظام الاقتصادي العالمي سيدخل مرحلة شديدة الخطورة، حيث تتحول التجارة والطاقة إلى أدوات ابتزاز، ويصبح القانون الدولي عاجزاً أمام من يفرض إرادته بالقوة.

الممرات البحرية الدولية ليست ملكاً لأي دولة، ولا يجوز أن تتحول إلى ساحات لتصفية الحسابات أو الضغط السياسي. فهي شرايين حياة يعتمد عليها العالم بأسره، وحمايتها ليست مسؤولية الدول المطلة عليها فقط، بل مسؤولية المجتمع الدولي كله.

قد تتوقف الحرب، وقد تُبرم اتفاقات، لكن الرسالة التي أرسلتها إيران إلى العالم ستكون أكثر بقاءً من أي معركة؛ رسالة تقول إن النفط يمكن أن يتحول إلى سلاح، وإن الاقتصاد العالمي يمكن أن يصبح رهينة قرار سياسي. وإذا لم يُواجه هذا النهج بحزم، فلن يكون (ابتزاز هرمز) آخر الأزمات، بل بداية مرحلة جديدة يصبح فيها أمن الطاقة العالمي ورقة مساومة في كل صراع إقليمي.


مواضيع قد تهمك