د. عاصم منصور : لا تصدق كل ما ترى
لقد تربينا على مقولة قديمة وحكيمة بأن «لا تصدق كلَّ ما تسمع حتى تراه رأْيَ العين»، فقد كانت العين، في تلك المعادلة، هي الحكم الأخير، والدليل الذي لا يُرد. فالصورة كانت شاهدة صدق، والفيديو كان وثيقة لا تقبل الشك. أما اليوم، ومع الطفرة الهائلة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، فقد انقلبت المعادلة رأسًا على عقب، فلم تعد العين نفسها أمينة على الحقيقة، وأصبحنا مضطرين أن نضيف شرطًا جديدًا لتلك الحكمة القديمة: لا تصدق كل ما ترى أيضًا.
قبل أيام، بعث لي أحد الأصدقاء مقطع فيديو مقتطعا من مقابلة تلفزيونية قديمة كنتُ قد أجريتُها فعلًا مع إحدى المحطات التلفزيونية، لكنّه أُعيد تركيبه باستخدام تقنية الذكاء الاصطناعي بحيث أُضيف إليه صوت يشبه صوتي إلى حد كبير، يتحدث فيه «أنا» عن موضوع طبي بمعلومات مغلوطة تمامًا، بل وبعبارات لا تليق لا بي شخصيًا ولا بالمهنة التي أنتمي إليها. فالصورة كانت لي، والملامح كانت لي، وحتى نبرة الصوت بدت قريبة جدًا من نبرة صوتي لولا بعض الأخطاء غير الملحوظة، لكن الكلمات لم تخرج يومًا من فمي.
لحظة مقلقة، ليس فقط لأنها تمسني شخصيًا، بل لأنها تكشف حجم الخطر الذي بات يتهدد الثقة العامة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بمعلومات طبية قد يتخذ الناس بناءً عليها قرارات تمسّ صحتَهم وحياتَهم.
فهذه التقنيات التي كانت إلى وقت قريب حكرًا على استوديوهات هوليوود المتقدمة، أصبحت اليوم في متناول أيّ شخص يملك حاسوبًا واتصالًا بالإنترنت. فبضع دقائق من التسجيل الصوتي، وبضع صور واضحة، كفيلة بأن تنتج مقطعًا مقنعًا تمامًا، يصعب على العين المجردة، بل وحتى على الأذن المدربة، أن تميز فيه الحقيقة من الزيف. والأخطر من ذلك أن هذه المقاطع لا تستخدم فقط للتسلية أو العبث، بل توظف أحيانًا للترويج لعلاجات وهمية، أو للتشكيك في لقاحات مثبتة الفعالية، أو لبث معلومات طبية خطيرة باسم أشخاص موثوقين، وهو ما قد يكلف أرواحًا فعلية لا مجازية.
فماذا نفعل أمام هذا الواقع الجديد؟ الجواب ليس في رفض التكنولوجيا أو التوجس منها إلى حد الهلع، فالذكاء الاصطناعي نفسه أداة عظيمة القيمة في التشخيص الطبي والبحث العلمي وتطوير العلاجات، ونحن في المؤسسات الصحية نستفيد منه يوميًا حتى أننا في مركز الحسين للسرطان عمدنا إلى استحداث قسم خاص بالذكاء الاصطناعي لوعينا بأهمية الأخير والدور الذي أصبح يضطلع به في الارتقاء بالرعابة الصحية. لكن الجواب يكمن في تطوير «مناعة رقمية» جديدة لدى الجمهور، تقوم على التحقق قبل التصديق، والتثبت قبل المشاركة. علينا أن نسأل أنفسنا دائمًا: من هو المصدر الأصلي لهذا المقطع؟ وهل نُشر على منصة موثوقة؟ وهل تطابقت التفاصيل الصغيرة، كحركة الشفاه وتناسق الإضاءة، مع بقية المشهد؟ وقبل هذا وذاك هل يستقيم مع المنطق؟
كما تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية والصحية مسؤولية مضاعفة في التحقق من المحتوى قبل تداوله، وعلى الجهات التقنية مسؤولية تطوير أدوات لكشف التزييف بالسرعة نفسها التي تُطوَّر بها أدوات إنتاجه. أما نحن، كأفراد، فعلينا أن نستعيد شيئًا من الشك الصحي الذي كان يميز الإنسان قبل عصر المعلومات المتسارع، لا لنفقد الثقة بكل شيء، بل لنمنح ثقتنا بعقلانية أكبر.
فالحقيقة اليوم لم تعد تُقرأ من الصورة وحدها، بل من سياقها ومصدرها واتساقها مع المنطق، وربما تكون أصدق حكمة نحتاجها اليوم «لا تصدق كل ما ترى».
ــ الغد