د. ايوب ابو دية : كرة القدم ترفع أسهم الأردن عالمياً
لم أتوقع يوماً أن تكون كرة القدم هي أسرع بطاقة تعريف بالأردن في أوروبا. لكن هذا ما اكتشفته خلال زيارتي الأخيرة إلى إسبانيا. فكلما سألني أحدهم: "من أين أنت؟"، وأجيب: "من الأردن"، لا أجد من يحدثني عن الصحراء أو البترا أو البحر الميت، بل أسمع فوراً: "الأردن... منتخب كرة القدم!" ثم يبدأ الحديث عن الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب الأردني، بدءاً من وصوله إلى نهائي كأس آسيا 2023، ثم تأهله لأول مرة في تاريخه إلى نهائيات كأس العالم 2026، والمباريات التي خاضها بعزة وكفاءة، عندها أدركت أن منتخب النشامى لم يحقق انتصاراً رياضياً فحسب، بل حقق إنجازاً وطنياً أكبر، حين وضع اسم الأردن في ذاكرة ملايين الناس حول العالم.
لقد أثبتت التجربة أن الرياضة أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدول. فقد تنجح مباراة واحدة في تحقيق ما تعجز عنه عشرات الحملات الإعلامية والإعلانية. فالجماهير لا تتذكر نتائج المباريات فقط، بل تتذكر أسماء الدول أيضاً، وتبدأ بالبحث عنها، والتعرف إلى تاريخها وشعبها وثقافتها. وهكذا تحولت كرة القدم إلى سفير يحمل اسم الأردن إلى كل بيت.
وما إن ينتهي الحديث عن المنتخب، حتى يأتي السؤال التالي: كيف هو الوضع عندكم؟ أليست الحرب مشتعلة في المنطقة؟ وهنا أجد نفسي أشرح أن الأردن، رغم كل ما يحيط به من أزمات، ما يزال واحة أمن واستقرار. الحياة تسير بصورة طبيعية، والجامعات والمدارس تعمل، والأسواق تعج بالحركة، والمطارات تستقبل القادمين والمغادرين، والسياح يواصلون زيارة المواقع الأثرية والدينية والطبيعية. وغالباً ما تبدو الدهشة على وجوه من أحدثهم، بلغتي الاسبانية المكسرة، لأن الصورة التي رسمتها وسائل الإعلام العالمية عن الشرق الأوسط تجعلهم يظنون أن المنطقة كلها ساحة حرب واحدة.
وهنا لا بد من وقفة مع إعلامنا الوطني. فالأردن ينجح أمنياً وسياسياً، لكنه لا ينجح بالقدر نفسه في إيصال هذه الحقيقة إلى العالم. ما زلنا نكتفي بالحديث فيما بيننا، بينما يحتاج الرأي العام العالمي إلى خطاب إعلامي احترافي ومتواصل بلغات متعددة، يشرح أن الأردن ليس جزءاً من ساحات القتال، بل يمثل نموذجاً للاستقرار والاعتدال في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً. إن تصحيح الصورة الذهنية عن الأردن لم يعد ترفاً إعلامياً، بل أصبح ضرورة اقتصادية وسياحية واستثمارية.
وينطبق الأمر ذاته على السياحة. فمن خلال لقاءاتي مع كثير من الإسبان، لمست رغبة صادقة في زيارة الأردن. فهم يعرفون البترا، ووادي رم، والبحر الميت، وجرش، والمغطس، ويعرفون كذلك سمعة الأردنيين في الكرم وحسن الاستقبال وطيب الضيافة . لكن هذه الرغبة تحتاج إلى حملات ترويجية أكثر كثافة، وإلى استثمار أفضل لما يتمتع به الأردن من سمعة طيبة، خاصة في الأسواق الأوروبية التي تبحث عن وجهات تجمع بين الأمن، والتاريخ، والطبيعة، والضيافة.
ولعل ما يزيد شعوري بالتقارب مع الإسبان هو إدراكهم العميق للأثر العربي في تاريخ بلادهم. فقد أكد لي أكثر من شخص أن الحضارة العربية في الأندلس ما تزال حاضرة في وجدان الإسبان، وأن تأثيرها لم يقتصر على العمارة والعلوم، بل امتد إلى اللغة نفسها. فاللغة الإسبانية تضم آلاف الكلمات ذات الأصل العربي، منها كلمات يستخدمها الناس يومياً مثل: aceite (الزيت)، وazúcar (السكر)، وaceituna (الزيتونة)، وalmohada (المخدة)، وcamisa (القميص)، وojala ( انشاءالله). وهذا الإرث الحضاري يمثل جسراً ثقافياً حقيقياً بين الشعبين، ينبغي أن يكون أساساً لمزيد من التعاون الثقافي والسياحي.
لقد علمتني هذه الرحلة أن الإنجازات الرياضية لا تنتهي عند حدود الملاعب، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياحة والدبلوماسية والثقافة. وكلما ارتفع اسم الأردن في البطولات الدولية، ارتفع معه الفضول العالمي لاكتشاف هذا البلد الصغير بمساحته، الكبير بتاريخه، وباستقراره، وبمكانة شعبه وقيادته.
وتربط الأردن وإسبانيا علاقات صداقة واحترام متبادل، عززتها مواقف إسبانيا المتوازنة والداعمة لحل الدولتين، ووقوفها إلى جانب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفق القانون الدولي. وهي مواقف تحظى بتقدير واسع في الأردن، وتشكل قاعدة متينة لتعزيز التعاون بين البلدين في مختلف المجالات.
ومن هنا، فإن رسالتي إلى أصدقائنا في إسبانيا بسيطة وصادقة: الأردن ليس مجرد خبر في نشرات الأخبار، بل وطن آمن، نابض بالحياة، يفتح أبوابه لكل زائر. تعالوا لتشاهدوا البترا، وتسيروا في صحراء وادي رم، وتسبحوا في البحر الميت، وتتذوقوا كرم الأردنيين بأنفسكم. ستكتشفون أن أجمل ما في الأردن ليس فقط آثاره الخالدة، بل شعبه الذي يجعل من كل زائر صديقاً، ومن كل رحلة ذكرى لا تُنسى.