اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

حلمي الحراحشة : "أنت وجه الأردن... فكن الصورة التي نفخر بها"

حلمي الحراحشة : أنت وجه الأردن... فكن الصورة التي نفخر بها
أخبارنا :  

لو أردنا أن نضع عبارة واحدة بخط عريض في كل مؤسسة ودائرة وموقع عمل في الدولة، لكانت:

 

"أنت وجه الأردن... فكن الصورة التي نفخر بها."

هذه العبارة ليست مجرد كلمات تُكتب على الجدران، بل هي رسالة وطنية تختصر معنى المسؤولية والانتماء. فالدول لا تُعرف فقط بما تملكه من قوانين ومؤسسات ومشاريع، بل بما يلمسه الناس في تعاملهم اليومي مع أبنائها ومؤسساتها. فالمواطن لا يرى الدولة في مبانيها فقط، بل يراها في الطبيب الذي يعالجه، والمعلم الذي يبني الأجيال، والموظف الذي يستقبله، والعامل الذي يتقن عمله، وكل من يؤدي دوره في خدمة المجتمع.

لقد اعتدنا الحديث عن الثوابت الوطنية، والسردية الوطنية، والانتماء، وحب الوطن، والعمل المشترك، وهذه ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل قيم حية يجب أن تظهر في السلوك والممارسة اليومية. فالانتماء الحقيقي هو أن يشعر الإنسان بأن نجاح وطنه جزء من نجاحه، وأن أداءه لعمله بإخلاص هو مساهمة مباشرة في بناء مستقبل بلاده.

إن ترسيخ هذه القيم مسؤولية جماعية تبدأ من أعلى المستويات وتمتد إلى كل موقع عمل. فالوزير مسؤول، والمدير مسؤول، والموظف مسؤول، والطبيب والمعلم والتاجر والعامل، كل منهم يؤدي دورًا في بناء المجتمع وتعزيز مكانة الدولة. فالأوطان لا تُبنى بفئة واحدة، وإنما بتكامل جهود جميع أبنائها.

ومن واقع التجربة، فإن بناء القيم وترسيخها في النفوس ليس أمرًا جديدًا على مؤسسات الدولة الأردنية. فقد تعلمنا في القوات المسلحة الأردنية - الجيش العربي، التي أعتز بالانتساب إليها، أن الكلمات والمبادئ عندما تكون حاضرة في بيئة العمل تتحول إلى ثقافة وسلوك ومنهج حياة.

في ميادين الرجولة والتدريب في حمراء حمد، وزرقاء ماعين، وطريبيل، والأغوار، وعلى رؤوس الجبال وفي صحراء الأردن، كانت العبارات الوطنية تُكتب بعرق الرجال قبل أن تُكتب بالحبر. وكان شعار "عاش الملك... الله... الوطن... الملك" حاضرًا في الوجدان قبل أن يكون كلمات تُردد. كما كانت العبارات التي تزين مداخل الوحدات، وصالات الطعام، وميادين التدريب، تحمل معاني الانضباط، والالتزام، والتضحية، وتحمل المسؤولية، وكان لها أثر كبير في صقل شخصية منتسبي القوات المسلحة الأردنية - الجيش المصطفوي.

ومن هنا، فإن ترسيخ القيم في مؤسسات الدولة كافة هو امتداد لثقافة وطنية أثبتت أثرها في بناء الإنسان. فكما كانت الكلمات المحفزة في ميادين القوات المسلحة تذكر الجندي برسالته وواجبه، فإن وجود عبارات وطنية وتوعوية في مختلف مواقع العمل يمكن أن يذكر الموظف دائمًا برسالته ومسؤوليته.

إن وجود عبارة:"أنت وجه الأردن... فكن الصورة التي نفخر بها". في بيئة العمل ليس هدفه الزينة أو الشكل، بل أن تكون رسالة يومية تذكر كل مسؤول وموظف بأن المواطن والمستثمر والزائر لا يرون المؤسسة فقط، بل يرون الأردن من خلال تعاملهم معها.

إن الوظيفة العامة ليست مجرد موقع أو صلاحيات، وإنما أمانة وطنية يمنحها الوطن لمن يشغلها. وكلما ارتفع موقع الإنسان في سلم المسؤولية، ازدادت أمانته وعظم أثر قراراته. فالمسؤول والموظف الناجح هو من يدرك أن المنصب وسيلة لخدمة الوطن والمواطن، وأن قيمة الإنسان بما يقدمه من عطاء وإخلاص.

ولترسيخ هذه الثقافة، فإننا بحاجة إلى برامج ودورات تثقيفية مستمرة لجميع الموظفين، لا تقتصر على الجوانب الفنية والإدارية، بل تركز على مفهوم الخدمة العامة، وأخلاقيات الوظيفة، وثقافة الانتماء، وكيفية ترجمة الولاء للوطن إلى أداء وسلوك على أرض الواقع.

فالموظف بحاجة إلى أن يدرك أن كل معاملة ينجزها، وكل قرار يتخذه، وكل كلمة يقولها، قد تكون سببًا في تعزيز ثقة المواطن بدولته. فالثقة هي الأساس الذي تُبنى عليه العلاقة بين الدولة والمجتمع، والمواطن الذي يجد الاحترام والعدالة والشفافية في مؤسسات وطنه يصبح شريكًا حقيقيًا في النجاح.

وتزداد أهمية هذه المسؤولية في المجالات الاقتصادية والاستثمارية، حيث يمثل موظف الضريبة، وموظف الجمارك، وموظف الترخيص، وكل من يتعامل مع المستثمر، جزءًا من البيئة الجاذبة للاستثمار. فحسن التعامل، والالتزام بالقانون، والعدالة في التطبيق، وتسهيل الإجراءات ضمن الأنظمة، كلها عوامل تعزز ثقة المستثمر وتدعم الاقتصاد الوطني.

إن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالاستثمار في الإنسان، لأن الموظف الذي يحمل الوعي برسالته الوطنية سيكون أكثر حرصًا على خدمة المواطن، وأكثر قدرة على الإنجاز، وأكثر إدراكًا بأن نجاحه في عمله هو إضافة إلى نجاح الأردن.

ويبقى أن حبنا للأردن، والتفافنا حول قيادة جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، وسمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، والأسرة الهاشمية، هو حب راسخ نابع من قناعة وانتماء. وهذا الحب يكتمل عندما يتحول إلى عمل وأمانة ومسؤولية، فالولاء الحقيقي يظهر في الإخلاص في أداء الواجب، والمحافظة على مقدرات الوطن، وتقديم المصلحة العامة بكل صدق وتجرد.

كما أن مسؤوليتنا لا تقتصر على الحاضر، بل تمتد إلى الأجيال القادمة. فالقيم التي نغرسها اليوم في مؤسساتنا ومجتمعنا هي الإرث الذي سيحمله أبناؤنا غدًا. والوطن لا يحافظ عليه جيل واحد، بل تتوارث الأجيال مسؤولية حمايته وبنائه.

ولعل من المبادرات التي يمكن أن تعزز ثقافة المسؤولية والانتماء في مؤسسات الدولة، وضع عبارات وطنية هادفة في مكاتب المسؤولين والموظفين، تكون بمثابة تذكير يومي برسالة الوظيفة العامة، ومن أبرزها:"أنت وجه الأردن... فكن الصورة التي نفخر بها".فهذه الكلمات، وإن كانت بسيطة في مضمونها، تحمل رسالة عميقة مفادها أن كل من يعمل في خدمة الوطن هو شريك في بناء صورته وتعزيز الثقة بمؤسساته. فالوظيفة رسالة، والمسؤولية أمانة، وخدمة الوطن شرف.

وفي النهاية، فإن بناء الأردن مسؤولية يشترك فيها الجميع. فكل مسؤول، وكل موظف، وكل عامل، هو شريك في صناعة صورة الوطن. فلنجعل من مواقع عملنا ميادين عطاء، ومن مسؤولياتنا أمانة نؤديها بإخلاص، ومن كل معاملة فرصة لتعزيز الثقة بين المواطن ودولته.

فالأردن يبقى بخير عندما يجعل أبناؤه مصلحته فوق كل اعتبار، ويترجمون حبهم وانتماءهم إلى عمل صادق يراه الجميع.

ــ الراي


مواضيع قد تهمك