حسن الدعجة : من يحمي نزاهة التعليم العالي؟
لم تعد ظاهرة الاتجار برسائل الماجستير والدكتوراة تتم في الخفاء أو عبر وسطاء مجهولين، بل أصبحت تُمارس اليوم على الملأ وبكل جرأة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تمتلئ صفحات "فيسبوك" وغيرها بإعلانات تروّج لكتابة الرسائل الجامعية، وإعداد الأطروحات، وإنجاز البحوث العلمية، وضمان النشر العلمي، بل إن بعضها يَعِدُ الطالب بالحصول على الدرجة العلمية بأقل جهد ممكن.
والأخطر أن هذه الإعلانات تُنشر بأسماء شركات ومكاتب معروفة، مرفقة بأرقام هواتف وعناوين ومواقع إلكترونية، وتُسوَّق عبر حملات ممولة تصل إلى آلاف المستخدمين دون أي شعور بالخوف من المساءلة. ويثير هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول دور وزارات التعليم العالي، وهيئات الاعتماد، والجامعات، والجهات الرقابية في حماية نزاهة البحث العلمي، ومدى فاعلية تطبيق التشريعات التي تُجرّم الغش الأكاديمي والاتجار بالمؤهلات العلمية. فاستمرار هذه الظاهرة دون إجراءات رادعة يهدد قيمة الشهادات الجامعية، ويقوض الثقة بمخرجات التعليم العالي، ويُلحق ضررًا بالغًا بسمعة الجامعات وبمستقبل البحث العلمي.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لم تعد مجرد مخالفات فردية، بل تحولت إلى سوق تجارية متكاملة، لها إعلانات ممولة، وأرقام هواتف، ومكاتب، وأسعار، وضمانات، بل وتتباهى بعض الجهات بقدرتها على إنجاز رسائل الماجستير والدكتوراة "تسليم مفتاح"، وكأن الشهادة العلمية أصبحت سلعة تباع وتشترى، لا ثمرة جهد علمي ومعرفي.
والسؤال الذي يفرض نفسه: أين تقف وزارة التعليم العالي؟ وأين هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها؟ وأين الجامعات التي تمنح هذه الدرجات العلمية؟ وهل يعقل أن تُنشر هذه الإعلانات بشكل يومي أمام الجميع دون أي مساءلة قانونية أو أخلاقية؟
إن الرسالة الجامعية ليست مجرد وثيقة للحصول على شهادة، بل هي اختبار لقدرة الباحث على التفكير النقدي، والتحليل، والإبداع، والإضافة العلمية. وعندما تُكتب هذه الرسائل بواسطة طرف ثالث مقابل المال، فإن الشهادة تفقد قيمتها الأكاديمية، ويتحول حاملها إلى شخص يحمل لقبًا علميًا لا يعكس حقيقة كفاءته أو قدرته البحثية. وهنا لا تكون الجريمة موجهة ضد الجامعة فقط، وإنما ضد المجتمع بأكمله، الذي سيجد في المستقبل أساتذة جامعات، ومستشارين، وصناع قرار، وربما مسؤولين، حصل بعضهم على مؤهلاتهم بوسائل لا تمت بصلة إلى الأمانة العلمية.
الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تخلق بيئة غير عادلة بين الطلبة. فالطالب المجتهد الذي يقضي سنوات في القراءة والبحث والتحليل يصبح في منافسة غير متكافئة مع من يشتري رسالة جاهزة أو يستأجر من يكتبها عنه. وهكذا تتحول الكفاءة إلى قدرة مالية، ويتراجع مبدأ تكافؤ الفرص الذي تقوم عليه الجامعات.
كما أن استمرار هذه التجارة ينعكس بصورة مباشرة على تصنيف الجامعات وسمعة البحث العلمي العربي. فالجامعات التي تتخرج فيها رسائل مكتوبة بأقلام غير أصحابها ستفقد تدريجيًا ثقة المؤسسات الأكاديمية الدولية، وستتراجع جودة مخرجاتها البحثية، لأن الإنتاج العلمي الحقيقي لا يُقاس بعدد الرسائل، وإنما بأصالتها وتأثيرها وإسهامها في حل المشكلات وتطوير المعرفة.
ولا يمكن تجاهل أن تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي زاد من تعقيد المشهد. فبدل أن تُستخدم هذه الأدوات لدعم الباحث في تنظيم الأفكار، وتحليل البيانات، وتحسين جودة الكتابة مع الحفاظ على أصالة العمل، أصبحت بعض الجهات التجارية توظفها لإنتاج محتوى يُسوَّق على أنه عمل علمي متكامل. وهذا الاستخدام لا يهدد نزاهة البحث العلمي فحسب، بل يرسخ ثقافة الغش الأكاديمي ويضعف مهارات الباحثين الحقيقيين.
وفي المقابل، ينبغي التمييز بوضوح بين الدعم الأكاديمي وبين الغش الأكاديمي. فمن المقبول أن يحصل الطالب على تدريب في منهجية البحث، أو استشارات علمية، أو تدقيق لغوي، أو مساعدة في التحليل الإحصائي، أو تعلم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بصورة أخلاقية. أما أن يتولى شخص آخر كتابة الرسالة أو أجزاء جوهرية منها نيابة عن الطالب، فذلك يمثل انتهاكًا صريحًا للأمانة العلمية وللأنظمة الجامعية في معظم دول العالم.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من بيانات الاستنكار. فهي تستدعي تشريعات واضحة تُجرّم الاتجار بالأعمال الأكاديمية وتفعيل ما هو مجود منها حاليا، وتمنح الجهات المختصة صلاحيات لملاحقة الأفراد والشركات التي تمارس هذا النشاط أو تروّج له. كما ينبغي إلزام منصات التواصل الاجتماعي بالتعاون في إزالة الإعلانات التي تعرض كتابة الرسائل والأطروحات مقابل المال متى ثبت أنها تشجع على الغش الأكاديمي.
وفي الوقت ذاته، تقع على الجامعات مسؤولية تطوير آليات أكثر صرامة للتحقق من أصالة الرسائل العلمية، وعدم الاكتفاء ببرامج كشف التشابه النصي، بل اعتماد منظومة متكاملة لضمان الجودة تشمل متابعة تقدم الطالب في جميع مراحل البحث، وإجراء مناقشات علمية معمقة للتأكد من امتلاكه الحقيقي للمعرفة التي يقدمها. كما ينبغي أن يكون من المتطلبات الأساسية إرسال رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراة، قبل إجازتها للمناقشة، إلى محكمين خارجيين متخصصين بصورة سرية ومستقلة، لفحصها والتحقق من جودتها العلمية، وسلامة منهجيتها، وأصالتها، ومدى استيفائها للمعايير الأكاديمية، بما يعزز نزاهة البحث العلمي، ويمنع تمرير الرسائل الضعيفة أو المنجزة بطرق غير مشروعة، ويحافظ على قيمة الشهادات الجامعية وسمعة مؤسسات التعليم العالي.
إن البحث العلمي هو أحد أهم ركائز التنمية الوطنية، وأي تهاون في حمايته يعني الإضرار بمستقبل التعليم والاقتصاد والإدارة والصحة والهندسة والقضاء وسائر القطاعات التي تعتمد على الكفاءات العلمية. فالأمم لا تنهض بكثرة الشهادات، وإنما بجودة المعرفة التي تقف خلفها.
إن ترك "تجار الرسائل الجامعية" يعملون بحرية أمام أعين الجميع ليس مجرد تقصير إداري، بل هو تهديد مباشر لمصداقية التعليم العالي، ولمكانة الجامعات، ولمستقبل الأجيال القادمة. وحماية نزاهة البحث العلمي ليست خيارًا، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية وقانونية، تبدأ من تطبيق القانون، ولا تنتهي إلا بإعادة الاعتبار لقيمة العلم القائم على الجهد والاستحقاق، لا على القدرة على الدفع.
*أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
ــ الغد