اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

سلامة الدرعاوي : أول إسناد قرض أزرق في المملكة

سلامة الدرعاوي : أول إسناد قرض أزرق في المملكة
أخبارنا :  

المشاريع الإستراتيجية في العالم لم تعد تمول بالأساليب التقليدية وحدها، لأن حجمها وتعقيدها وطول عمرها التشغيلي فرضت على الأسواق المالية تطوير أدوات تمويل جديدة، قادرة على الجمع بين العائد الاقتصادي وتحقيق أهداف تنموية واستدامة بيئية، ولهذا، لم يعد السؤال: من يمتلك السيولة؟ لكن من يستطيع تصميم الأداة التمويلية التي تقنع رأس المال بالمشاركة؟

 

من هذه الزاوية تحديداً، ينبغي قراءة إصدار بنك الإسكان أول إسناد قرض أزرق في الأردن بالتعاون مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، فالخبر لا يتمثل في إصدار بقيمة 100 مليون دولار ضمن برنامج يصل إلى 200 مليون دولار، وإنما في انتقال القطاع المصرفي الأردني إلى مرحلة جديدة، يصبح فيها البنك صانعاً للحلول التمويلية، وليس جهة تمنح القروض.

هذا التحول يعكس تغيراً في فلسفة التمويل نفسها، فالمستثمرون حول العالم لم يعودوا يبحثون عن أي مشروع يحقق عائداً مالياً، وإنما عن مشاريع ترتبط بقضايا إستراتيجية كالمياه والطاقة والمناخ والاستدامة، ومن هنا جاء التمويل الأزرق، الذي يربط رأس المال بمشاريع الأمن المائي وإدارة الموارد المائية، ويمنح المستثمرين يقيناً بأن الأموال ستوظف في قطاع محدد يحقق أثراً اقتصادياً وبيئياً يمكن قياسه.

وهنا تكمن أهمية ما قام به بنك الإسكان، فالبنك اختار أن يطور أداة مالية تتناسب مع طبيعة المشروع نفسه- وهذا فارق جوهري- فالمشاريع الكبرى أصبحت أدوات التمويل هي التي تُصمم بما يتلاءم مع احتياجات المشاريع وأهدافها.

واختيار مشروع الناقل الوطني ليكون المستفيد الرئيس من هذا الإصدار لأنه يعد أكبر مشروع مائي في تاريخ الأردن الحديث، ويستهدف توفير نحو 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً، بما يغطي احتياجات نحو أربعة ملايين مواطن، كما أنه مشروع يرتبط مباشرة بأحد أكبر التحديات الاقتصادية التي تواجه المملكة، وهو الأمن المائي، الأمر الذي يجعله مؤهلاً بطبيعته للاستفادة من أدوات التمويل المستدام التي تشهد نمواً متسارعاً في الأسواق العالمية.

واللافت أن بنك الإسكان يبني على مسار بدأه قبل ذلك، عندما قاد ترتيب قرض التجمع البنكي المحلي لمشروع الناقل الوطني بقيمة تقارب 800 مليون دينار، أما اليوم، فإنه ينتقل إلى مستوى أكثر تطوراً، من خلال ابتكار أداة تمويل جديدة للمشروع ذاته، بما يعكس تحولاً في دور البنوك من ممولين للمشاريع إلى شركاء في هيكلة التمويل وتصميمه وتنويع مصادره.

ولا تقل أهمية الشراكة مع البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية عن أهمية الإصدار نفسه، فوجود مؤسسة مالية دولية بهذا الحجم لا يقتصر على توفير التمويل، لكن يمثل شهادة ثقة بالإطار المؤسسي والتنظيمي، وبقدرة القطاع المصرفي الأردني على إدارة أدوات تمويل حديثة وفق أفضل الممارسات العالمية.

اقتصادياً، لا ينبغي النظر إلى هذا الإصدار باعتباره نجاحاً لبنك واحد، لكن باعتباره اختباراً لقدرة السوق المالية الأردنية على مواكبة التحولات العالمية في التمويل، فإذا أثبتت التجربة نجاحها، فإن الباب سيفتح أمام أدوات مشابهة في قطاعات المياه والطاقة والنقل والبنية التحتية، وهو ما يعني توسيع خيارات التمويل أمام الاقتصاد الأردني، وتقليل الاعتماد على القروض التقليدية، واستقطاب شرائح جديدة من المستثمرين الدوليين.

وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لهذا الإصدار لا تكمن في المائة مليون دولار التي جرى إصدارها، وإنما في الفكرة التي يؤسس لها، فالدول التي تنجح في المستقبل لن تكون تلك التي تبحث عن التمويل بعد اكتمال مشاريعها، لكن تلك التي تمتلك قطاعاً مصرفياً قادراً على ابتكار أدوات تمويل تجعل رأس المال يبحث عن مشاريعها، وهذه هي الرسالة الأهم التي يحملها إصدار بنك الإسكان، لأنها تعكس تحولاً في وظيفة البنك، وتؤشر إلى تحول أوسع في طريقة تمويل المشاريع الإستراتيجية في الأردن.


مواضيع قد تهمك